وتوهج ضياء في الدكان منبعث من مرآة صوان قرب الباب، عاكسا شعاع الشمس المائلة.
51
وانتقل القلق ليلا إلى بيت عم شافعي. ومع أن الحديث تناهى إلى عبدة في إطار من الطمأنينة، ومع أنها لم تعلم سوى أن رفاعة سمع صوت جده وهو يتكلم وأنه قرر بعد ذلك أن يزور المساكين ليطرد عنهم العفاريت، إلا أن القلق اجتاح نفسها ولبثت تقلب وجوه العواقب. كان رفاعة في الخارج، وكان في أقصى الحارة - بعيدا عن حي آل جبل - عرس تترامى منه أصوات طبل وزمر وزغاريد. وأرادت المرأة أن تواجه الحقيقة فقالت بحزن: رفاعة لا يكذب.
فقال شافعي بامتعاض: ولكن الأوهام قد تخدعه، كلنا عرضة لذلك. - وماذا ترى فيما سمع؟ - كيف لي بأن أجزم؟! - لا محال في الأمر ما دام جدنا حيا. - الويل لنا لو عرف الخبر.
فقالت برجاء: فلنكتم الخبر ولنحمد الله على أنه ركز اهتمامه بالنفوس لا بالوقف، وما دام لا يؤذي أحدا فلن يؤذيه أحد.
فقال شافعي بفتور: ما أكثر الذين يؤذون في حارتنا دون أن يؤذوا أحدا!
واختفت أنغام العرس وراء ضجة انفجرت في الدهليز. وأطلا من النافذة فرأيا الدهليز مزدحما بالرجال، وتبينا على ضوء مصباح في يد أحدهم وجوه حجازي وبرهوم وفرحات وحنورة وآخرين، وكان كل لسان يتكلم أو يصرخ فاختلطت الأصوات وعمت الضوضاء. وعلا صوت هاتفا: «شرف آل جبل في الميزان، ولن نسمح لأحد بتلويثه».
وهمست عبدة في أذن زوجها وهي ترتعد: سر ابننا انكشف!
فتراجع عم شافعي عن النافذة متأوها وهو يقول: لم يكذبني قلبي قط.
واندفع الرجل خارج بيته غير مبال بالخطر فتبعته زوجه على الأثر. وشق الرجل في الزحام سبيلا متسائلا بصوت مرتفع: رفاعة .. أين أنت يا رفاعة؟
نامعلوم صفحہ