فقال رفاعة بوجه يتألق نشوة كالنغمة الحلوة: وأعرف الآن ما يراد مني.
فضرب الرجل جبينه بغيظ وصاح متسائلا: وهل أيضا يراد منك شيء؟ - نعم، إني ضعيف ولكني لست غبيا، والابن الحبيب من يعمل!
فهتف شافعي وهو يشعر كأن المنشار ينشر صدره: سيكون عملك أسود، وسوف تهلك وتجرنا معك إلى الهلاك!
فقال رفاعة باسما: إنهم لا يقتلون إلا من يتطلع إلى الوقف! - وهل تتطلع إلى شيء غير الوقف؟
فقال رفاعة بصوت مليء بالثقة: كان أدهم ينشد الحياة الصافية الغناء، كذلك جبل وهو لم يطالب بحقه في الوقف إلا سعيا وراء الحياة الصافية الغناء، لكن غلب عليه الظن بأن هذه الحياة لن تتيسر لأحد إلا إذا توزع الوقف على الجميع فنال كل حقه واستثمره حتى يغنيه عن الكد فتخلص له الحياة الصافية الغناء، ولكن ما أتفه الوقف إن أمكن بلوغ هذه الحياة بدونه! وهو أمر ممكن لمن يشاء، وبوسعنا أن نغنى منذ الساعة!
فتنهد عم شافعي في شيء من الارتياح، وتساءل: هل قال لك جدك ذلك؟ - قال: إنه لا يحب الغباء، وقال: إن الغبي هو الذي لا يعرف سر قوته، وإني آخر من يدعو إلى قتال في سبيل الوقف. الوقف لا شيء يا أبي، وسعادة الحياة الغناء هي كل شيء، ولا يحول بيننا وبين السعادة إلا العفاريت الكامنة في أعماقنا، ولم يكن عبثا أن أشغف بطب العفاريت وأن أحسنه، لعلها إرادة رب السموات هي التي دفعتني إليه.
ارتاح شافعي بعد عذاب، ولكن بعد أن استنفد العذاب قواه، فانحط على منشاره، مادا ساقيه، مسندا ظهره إلى ضلفة نافذة منتظرة دورها في الإصلاح، ثم ساءل ابنه في شيء من السخرية: وكيف لم نبلغ الحياة الغناء وفينا أم بخاطرها من قبل أن تولد أنت؟
فقال رفاعة بالصوت المليء بالثقة: لأنها تنتظر حتى يجيء إليها المرضى الموسرون ولا تذهب بنفسها إلى المساكين.
فنظر عم شافعي في أركان دكانه وقال بارتياب: انظر إلى إقبال الرزق علينا فماذا يخبئ لنا الغد من تحت رأسك؟
فقال رفاعة بابتهاج: كل خير يا أبي، إن شفاء المرضى لن يقلق إلا العفاريت.
نامعلوم صفحہ