فقلت مؤكدا: «كل ما أستطيع أن أقوله لك عنه هو أنه شاب قدير، بذل وسعه وأدى واجبه غير منقوص، نعم إننا قد صادفنا مصاعب كثيرة، لكني أؤكد لك أنه لم يخطئ أبدا بحيث كان خطؤه سببا في شيء من تلك المصاعب.» - «إنك تلعب بالنار يا كرافتشنكو! أذكر أن هذا الأمر مما يهم الصناعة الكيميائية، فهو إذن أمر يتعلق بالدفاع الوطني، ومع ذلك فلست أراك تحرك إصبعا في معاونتنا على حصد عوامل التخريب!»
ولم يقلع «جرشجورن» عن غيه إلا حين دفعني الناس دفعا أن أهدد بالاتصال ب «أورزنكدز» تليفونيا لأطلعه على هذا التدخل في عملي من رجال الشرطة، وهكذا كانت الحسنة الوحيدة في هذا الموقف كله هي أن قد كان لي ظهير أستند إليه، ولو وضعت مهندسا في مثل هذا الموقف بغير ظهير كهذا يؤيده لألقى نفسه منذ زمن طويل في أحد السجون، أو في معسكر من معسكرات السخرة.
ولما دعاني «أورزنكدز» إلى موسكو في أوائل عام 1936م، خيل إلي أن هذه الدعوة بمثابة الدرع الواقية أرسلتها الملائكة لحمايتي، ذلك أن علائقي بالقسم السياسي كانت قد بلغت حدا بعيدا من التحرج ولم يعد أمامي ثغرة للمروق، وباتت حياتي في نيقوبول من الصعوبة حدا لا يحتمل؛ لأني أبيت أن أتهم الأبرياء أو أن أغضي عن أفعال الشرطة التي تدفعهم إليها الظنون الخاطئة، أما وقد دعيت لمقابلة «الوزير» فقد أخذت أستجمع شجاعتي لعلي مستطيع أن أبسط الوقائع بين يديه، فتلك فرصة سنحت قد لا تعود.
حياني «أورزنكدز» تحية ودية، ثم أنبأني فيم دعاني، فقال: إن الحاجة قد مست إلى نوع خاص من الأنابيب لصناعة استخراج البترول في «باكو»، وإن الخطة المرسومة للبترول تتوقف كلها على السرعة التي نستطيع بها إنتاج مقدار معين من تلك الأنابيب.
قال: «إنني أتجه إليك يا صديقي لأنني أعلم أنك ممن أستطيع الركون إليهم، وسيكون بين يديك ما تريد من آلات ومواد وأيد عاملة، فإذ أصبت التوفيق كافأتك بسيارة وسام، وكافأنا زملاءك جميعا بالعلاوات.» - «لا شك أني باذل جهدي لا أدخر وسعا، وإنه ليسرني أنك عالم بما يعوزنا من آلات، ولكني أحب أن تعلم يا «جريجري كونستانتينوفتش» أنني أعمل في ظروف من تدخل القسم السياسي تجعل الحياة ضربا من المستحيل؛ لذلك ينتابني اليأس.» - «ماذا تعني؟»
فأخذت أقص في تفصيل كيف يتعقبون أعمالنا الفنية كما يتعقب الصائد فريسته، وكيف تأخذهم حمى الاضطهاد والاتهام مما حول مصنعي - وسائر المشروعات في نيقوبول - إلى قاعة من قاعات التطهير، وأنبأته عن «دوروجان» و«جرشجورن» كيف يحاولان أن يجعلا من الحوادث الجارية مؤامرات على التخريب يخلقها لهما خيالهما، وكيف يجبران الناس على اتهام الأبرياء مثل «تيموشنكو» و«دونبسكي».
وختمت حديثي قائلا: «لا أحب الكلام في هذه الأمور لكني لم أعد أستطيع السكوت، فمن ذا الذي يدير صناعة التعدين؟ أهي رياسة الصناعات الثقيلة أم القسم السياسي؟ كيف نستطيع تجريب الجديد، كيف نستطيع تنفيذ الأوامر التي يقتضي تنفيذها إجراء التجارب، كيف نستطيع أن نخطو إلى الأمام خطوة واحدة، إذا عد كل ما يصيبنا من فشل وكل ما نزل فيه من خطأ في بداية العمل الجديد مؤامرة على الإتلاف والتخريب؟ بل كيف يستطيع إنسان أن يؤدي عملا كائنا ما كان إذا وجد نفسه تحت «مراقبة» لا تنقطع من مخبري الشرطة ولجان الحزب وطوائف النقابة وأنصار السرعة الإستاخانوفية وغيرهم ممن يعدون بالمئات؟
ما الذي يمنعنا من وقف هذا الإرهاب الجاسوسي بحيث ندع الناس يعملون في طمأنينة وهدوء؟ إن الجيل القديم من مهندسين وإخصائيين كاد أن يفنيه الموت أو تقضي عليه التصفية، وأصبحنا اليوم من أنصار السوفيت، نشأت كثرتنا الغالبة نشأة هيأها الحزب كما يشاء، فإذا لم نكن أهلا للثقة بحيث نعمل مدفوعين بعوامل من ضمائرنا، فأين الرجاء في رقي بلادنا؟ أما عن نفسي أيها الرفيق الوزير فلم أعد أطيق العمل في مثل هذه الظروف، فهؤلاء الأوغاد لا ينفكون يديرون رأسي دوارا كأنني نحلة تدور، فكيف تريدون الرجل أن ينتج إذا كان دوارا في دوامة لا تقف ولا تسكن؟»
كان «أورزنكدز» تعلو وجهه الكآبة، يعض على شفتيه آنا بعد آن، وكانت الشيخوخة قد دبت في جسمه دبيبا سريعا في العام الأخير أو العامين الأخيرين، ولم يعد يسارع إلى الضحك كما كان يفعل قبل، ولم يعد يفور بالمرح الصادر من قلبه عن تفاؤل الواثق كما كان يفعل قبل، ومهما يكن من أمر مشاعره إذ ذاك فقد كاد ألا يفصح عن شيء مما في نفسه إلى مرءوس له مثلي من مديري المصانع، ولا عجب فهو على كل حال عضو في «الهيئة السياسية العليا»، أعني عضوا من اثني عشر عضوا أو نحو هذا العدد من الرجال الذين كانوا أقرب ما يكونون صلة بستالين.
قال لي في صوت خافت: «هدئ من نفسك يا صديقي، ولست ألومك على تحدثك إلي بمثل ما تحدثت، فهنالك أشياء كثيرة تخفى عليك فلا تراها من حيث أنت، ولن أخفي عنك أنك واحد من مئات آخرين من قادة المهندسين الذين هم أعضاء في الحزب، وأفضوا إلي بمثل هذه الشكاة وفي هذا المكان بعينه ... أما عنك خاصة فإني أعدك أنني ما دمت حيا، وما دمت أنت مخلصا لواجبك، فلن يمسك أحد بسوء، هذا وعد مني إليك.»
نامعلوم صفحہ