اسرار تکرار
أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان
ایڈیٹر
عبد القادر أحمد عطا
ناشر
دار الفضيلة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي
قال الشيخ الإمام العالم العلامة تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة ابن نصر الكرماني رضي الله عنه ورحمه الحمد لله الذي أنزل الفرقان على محمد ليكون للعالمين نذيرا معجزا للإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا نحمده على تفضله علينا بكتابه فضلا كبيرا ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا
ونصلي ونسلم على المبعوث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلاة دائمة تتصل ولا تنقطع بكرة وهجيرا وبعد
فإن هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك مما يوجب اختلافا بين
الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان وأبين ما
صفحہ 63
السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها وما الموجب للزيادة والنقصان والتقديم والتأخير والإبدال وما الحكمة في تخصيص الآية بذلك دون الآية الأخرى وهل كان يصلح ما في هذه السورة مكان ما في السورة التي تشاكلها أم لا ليجري ذلك مجرى علامات تزيل إشكالها وتمتاز بها عن أشكالها من غير أن أشتغل بتفسيرها وتأويلها فإني بحمد الله قد بينت ذلك كله بشرائطه في كتاب لباب التفسير وعجائب التأويل مشتملا على أكثر ما نحن بصدده ولكني أفردت هذا الكتاب لبيان المتشابه فإن الأئمة رحمهم الله تعالى قد شرعوا في تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرتها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها وهو المشكل الذي لا يقوم بأعبائه إلا من وفقه الله لأدائه
وقد قال أبو مسلم في تفسيره عن أبي عبد الله الخطيب في تفسيره كلمات معدودات منها وأنا أحكي لك كلامه فيها إذا بلغت إليها مستعينا بالله ومتوكلا عليه وسميت هذا الكتاب البرهان في متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان وبالله وعليه التكلان
صفحہ 64
سورة الفاتحة
1 -
أول المتشابهات قوله {الرحمن الرحيم مالك} فيمن جعل {بسم الله الرحمن الرحيم} آية من الفاتحة وفي تكراره قولان قال علي بن عيسى إنما كرر للتوكيد وأنشد قول الشاعر
... هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا ...
وقال قاسم بن حبيب إنما كرر لأن المعنى وجب الحمد لله لأنه الرحمن الرحيم قلت إنما كرر لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج وذكر في الآية الأولى المنعم ولم يذكر المنعم عليهم فأعادها مع ذكرهم وقال {رب العالمين الرحمن} لهم جميعا ينعم عليهم ويرزقهم {الرحيم} بالمؤمنين خاصة يوم الدين ينعم عليهم ويغفر لهم
2 -
قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} كرر {إياك} وقدمه ولم يقتصر على ذكره مرة كما اقتصر على ذكر أحد المفعولين في آيات كثيرة منها {ما ودعك ربك وما قلى} أي ما قلاك وكذلك الآيات التي بعدها معناها فآواك فهداك فأغناك لأن في التقديم فائدة وهي قطع الاشتراك ولو حذف لم يدل على
صفحہ 65
التقديم لأنك لو قلت إياك نعبد ونستعين لم يظهر أن التقدير إياك نعبد وإياك نستعين أم إياك نعبد ونستعينك فكرر
3 -
قوله تعالى {صراط الذين أنعمت عليهم} كرر {الصراط} لعلة تقرب مما ذكرت في {الرحمن الرحيم} وذلك أن الصراط هو المكان
المهيأ للسلوك فذكر في الأول المكان ولم يذكر السالكين فأعاده مع ذكرهم فقال {صراط الذين أنعمت عليهم} أي الذي يسلكه النبيون والمؤمنون ولهذا كرر أيضا في قوله {إلى صراط مستقيم} {صراط الله} لأنه ذكر المكان المهيأ ولم يذكر المهيئ فأعاده مع ذكره فقال {صراط الله} أي الذي هيأه للسالكين
4 -
قوله {عليهم} ليس بتكرار لأن كل واحد منهما متصل بفعل غير الآخر وهو الإنعام والغضب وكل واحد منهما يقتضيه اللفظ وما كان هذا سبيله فليس بتكرار ولا من المتشابه
سورة البقرة
5 -
قوله تعالى {الم} هذه الآية تتكرر في أوائل ست سور فهي من المتشابه لفظا وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله {وأخر متشابهات} هي هذه الحروف الواقعة في أوائل السور فهي أيضا من المتشابه لفظا ومعنى والموجب لذكره أول البقرة من
صفحہ 66
القسم وغيره هو بعينه الموجب لذكره في أوائل سائر السور المبدوءة به وزاد في الأعراف صادا لما جاء بعده {فلا يكن في صدرك حرج منه} ولهذا قال بعض المفسرين معنى
{المص} ألم نشرح لك صدرك وقيل معناه المصور وزاد في الرعد راء لقوله بعده {الله الذي رفع السماوات}
6 -
قوله {سواء عليهم} وفي يس {وسواء} بزيادة واو لأن ما في البقرة جملة هي خبر عن اسم إن وما في يس جملة عطفت بالواو على جملة
7 -
قوله {آمنا بالله وباليوم الآخر} ليس في القرآن غيره تكرار العامل مع حرف العطف لا يكون إلا للتأكيد وهذه حكاية كلام المنافقين وهم أكدوا كلامهم نفيا للريبة وإبعادا للتهمة فكانوا في ذلك كما قيل يكاد المريب يقول خذوني فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ فقال {وما هم بمؤمنين} ويكثر ذلك مع النفي وقد جاء في القرآن في موضعين في النساء {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وفي التوبة {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}
8 -
قوله {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ليس في القرآن غيره ليس لأن العبادة في الآية التوحيد
صفحہ 67
والتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن فخاطبهم بما ألزمهم أولا ثم ذكر سائر المعارف وبنى عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات
فإن قيل سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولا فلا يحسن فيها ما ذكرت
قلت أول القرآن سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران على هذا الترتيب إلى سورة الناس وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ وهو على هذا الترتيب كان يعرضه عليه الصلاة والسلام على جبريل عليه السلام كل سنة
أي ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه الصلاة والسلام في السنة التي توفى فيها مرتين وكان آخر الآيات نزولا {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين
وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله في هود {فأتوا بعشر سور مثله} معناه مثل البقرة إلى هود وهي العاشرة ومعلوم أن سورة هود مكية وأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلن بعدها
صفحہ 68
وفسر بعضهم قوله {ورتل القرآن ترتيلا} : 4 أي اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم وتأخير وجاء النكير على من قرأه معكوسا
ولو حلف إنسان أن يقرأ القرآن على الترتيب لم يلزمه إلا على هذا الترتيب ولو نزل جملة كما اقترحوا عليه بقولهم {لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} : 32 لنزل على هذا الترتيب وإنما تفرقت سوره وآياته نزولا لحاجة الناس حالة بعد حالة ولأن فيه الناسخ والمنسوخ ولم يكونا ليجتمعا نزولا
وأبلغ الحكم في تفرقه ما قاله سبحانه {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} وهذا أصل تنبني عليه مسائل والله أعلم
9 -
قوله تعالى {فأتوا بسورة من مثله} بزيادة {من} في هذه السورة وفي غيرها {بسورة مثله} لأن {من} تدل على التبعيض ولما كانت هذه السورة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول {من} فيها ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن من أوله إلى آخره وغيرها من السور لو دخلها من لكان التحدي واقعا على بعض السور دون بعض ولم يكن ذلك بالسهل والهاء في قوله {من مثله} تعود إلى {ما} وهو القرآن وذهب بعضهم إلى أنه يعود على محمد عليه السلام أي
صفحہ 69
فأتوا بسورة من إنسان
مثله وقيل يعود إلى الأنداد وهو ضعيف لأن الأنداد جماعة والهاء للفرد وقيل مثله التوراة والهاء تعود إلى القرآن والمعنى فأتو بسورة من التوراة التي هي مثل القرآن ليعلموا وفاقهما {وهو} خطاب لليهود
10 -
قوله {فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر} ذكر هذه الخلال في هذه السورة جملة ثم ذكرها في سائر السور مفصلا فقال في الأعراف {إلا إبليس لم يكن من الساجدين} وفي الحجر {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} وفي سبحان {إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} وفي الكهف {إلا إبليس كان من الجن} وفي طه {إلا إبليس أبى} وفي ص {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}
11 -
قوله {اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا} بالواو وفي الأعراف {فكلا} بالفاء {اسكن} في الآيتين ليس بأمر بالسكون الذي هو ضد الحركة وإنما الذي في البقرة من السكون الذي معناه الإقامة وذلك يستدعي زمانا ممتدا فلم يصلح إلا بالواو لأن المعنى اجمع بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان الفاء مكان الواو لوجب تأخير
الأكل إلى الفراغ من الإقامة لأن الفاء للتعقيب والترتيب والذي في الأعراف من السكنى الذي معناها اتخاذ الموضع مسكنا لأن الله تعالى أخرج إبليس من الجنة بقوله {
صفحہ 70
اخرج منها مذؤوما} وخاطب آدم فقال {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي اتخذاها لأنفسكما مسكنا {فكلا من حيث شئتما} فكانت الفاء أولى لأن اتخاذ المسكن لا يستدعي زمانا ممتدا ولا يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه
وزاد في البقرة {رغدا} لما زاد في الخبر تعظيما بقوله {وقلنا} بخلاف سورة الأعراف فإن فيها (قال) والخطيب ذهب إلى أن ما في الأعراف
12 -
قوله {اهبطوا منها} كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة والثاني من السماء
13 -
قوله {فمن تبع} وفي طه {فمن اتبع} تبع واتبع بمعنى وإنما اختار في طه {اتبع} موافقة لقوله تعالى {يتبعون الداعي}
14 -
قوله {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} قدم الشفاعة في هذه الآية وأخر العدل وقدم العدل في الآية الأخرى من هذه السورة وأخر الشفاعة وإنما قدم الشفاعة قطعا
صفحہ 71
لطمع من زعم أن آباءهم تشفع لهم وأن الأصنام شفعاؤهم عند الله وأخرها في الآية الأخرى لأن التقدير في الآيتين معا لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة لأن النفع بعد القبول وقدم العدل في الآية الأخرى ليكون لفظ القبول مقدما فيها
15 -
قوله {يذبحون} بغير واو هنا على البدل من {يسومونكم} وفي الأعراف {يقتلون} وفي إبراهيم {ويذبحون} بالواو لأن ما في هذه السورة والأعراف من كلام الله تعالى فلم يرد تعداد المحن عليهم والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدد المحن عليهم وكان مأمورا بذلك في قوله {وذكرهم بأيام الله}
16 -
قوله {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ههنا وفي الأعراف 160 وقال في آل عمران {ولكن أنفسهم يظلمون}
لأن ما في السورتين إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا وما في آل عمران مثل
17 -
قوله {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا} بالفاء وفي الأعراف 161 بالواو لأن الدخول سريع الانقضاء فيتبعه الأكل وفي الأعراف {وإذ قيل لهم اسكنوا}
صفحہ 72