قالت: قل.
قال: قد ورد علي كتاب من عبود يقول إنه لا يستطيع التقدم إلى الخرطوم الآن؛ لأنها تحت الحصار، ولكنه باق في انتظار الحملة النيلية الذاهبة لإنقاذ حامية الخرطوم فيسير برفقتها.
قالت: وما ظنك به؛ هل يفلح؟ إني، يا بخيت، لم أعد أستطيع صبرا، ولا أنا راجية خيرا من هذا الرسول، ولكن عسى أن يكون الأمر خلاف ما أقول ويأتي بشفيق، فأكون أول السعيدات، وأما إذا لم يأت فإني ... وبكت.
فقال: خففي عنك؛ عسى أن يفتح لنا الله على يد هذا الرجل. وكل آت قريب.
قالت: عسى إن شاء الله.
فقال بخيت: آه لو كنا قتلنا عزيزا! أما كنا تخلصنا من أحد الويلين! فقالت: وما الفائدة له أو الخوف لنا من بقائه حيا؟ فإنه غير بالغ مني مأربا وشرف شفيق وعهده. أما إذا جاءنا ذلك الرسول بالخبر الخير، فإني لا أعبأ بمقاصد والدي ولا مقاصد ذلك الخائن، فإنه أولى الناس بي شرعا وعرفا ... آه! أين أنت يا شفيق؟ وأخذت تتأوه وتتحسر، فأراد بخيت إطالة الحديث فخاف مجيء والدها فاستأذنها وخرج.
الفصل الرابع والثمانون
اليأس
أما والدها فإنه لم يعد واجسا من بقاء شفيق حيا؛ لأنه نال مبتغاه من عزيز. أما هذا فما زال معللا نفسه بالآمال منتظرا مجيء طبيبه من أوروبا ليحبب فدوى به بالاستهواء.
أما هي فإنها ما برحت واجسة على شفيق وهي لا تصدق أنه يعود سالما، فرأت في بعض الليالي مناما أزعجها كثيرا؛ وذلك أنها رأت شفيقا مضرجا بدماه في صحراء السودان والنسور حائمة عليه تأكل من جثته، فاستيقظت مرعوبة باكية، وكتمت ذلك عن والدها، وانتظرت حتى أتى بخيت وقصت عليه الحكاية وهي تبكي، إلى أن قالت: فأتني بسم أتجرعه وأقضي نحبي وراءه؛ لعلي ألتقي به في العالم الآخر قبل أن يدرك مني ذلك اللعين وطرا.
نامعلوم صفحہ