495

يعتبرون الناس من المرتبطين بالحق ومن مظاهر جماله وجلاله ، ولا يسمحون لأنفسهم إلا بالنظر إلى عباد الله بكل لطف ومحبة . ولا يؤنبون في قلوبهم أحدا على نقصه أو فتوره ، وإنما كانا يلومونه بألسنتهم للمحافظة على المصالح العامة وإصلاح أحوال العائلة البشرية . وهذا من نتائج وثمرات الشجرة الطيبة لليقين والإيمان ، والمعرفة بالحدود والشريعة الإلهية .

وأما الطائفة الثانية فهم لا يعرفون عن الحق شيئا ، وإذا علموا شيئا لكانت معرفتهم ناقصة وإيمانهم غير تام ، وحيث أن انتباههم إلى الكثرات والأسباب الظاهرية قد أغفلهم عن مسبب الأسباب ، فظلوا يسعون لكسب رضا المخلوق ، وقد ينتهي بهم الأمر إلى شراء رضا المخلوق الضعيف جدا ، بسخط وغضب الله سبحانه : بأن يعلنوا موافقتهم لمعصية العصاة ، أو يتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوقت المناسب للأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، أو يفتوا بالباطل ، أو يدعموا من ليس بأهل للتأييد أو يكذبوا من ليس من شأنه الدجل والكذب . أو يغتابوا المؤمنين ويفتروا عليهم لأجل كسب مودة أهل الدنيا ، ورعاية أصحاب المناصب الظاهرية . بل كل ذلك ينشأ من ضعف الإيمان ، بل إنه مرتبة من مراتب الشرك . وتفضى مثل هذه المواقف بالإنسان إلى المهالك الكثيرة التي منها ما ورد في هذا الحديث الشريف من إساءة نظر مثل هذا الإنسان إلى عباد الله ومعاداتهم وتأنيبهم وملامتهم على أعمالهم إلى غير ذلك .

فصل: في نقل كلام المعتزلة والاشاعرة واشارة الى مذهب الحق سبحانه

إعلم : لقد عقد المحدث المجلسي رحمه الله في كتابه (مرآة العقول) عند هذا الحديث فصلا للبحث عن أن الرزق المقسوم ، من قبل الحق المتعالي هل يعم الحلال والحرام أو أنه يختص بالحلال ؟ ونقل رضوان الله تعالى عليه عن كتاب (تفسير الفخر الرازي) اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في ذلك ، مع نقله للأحاديث والأخبار التي تمسك بها كل واحد من الطرفين على وجهة نظره ، وجعل موقف الإمامية متطابقا مع المعتزلة في عدم كون الرزق المقسوم من الحرام بل يختص بالحلال . ونقل أدلة المعتزلة على موقفهم ذلك من ظواهر الآيات والأخبار ، وظاهر كلمة الرزق حيث تكون هذه الأمور مصدر الاحتجاج للطرفين . واختار رحمه الله موقف المعتزلة ، لأنه موافق مع المذهب المشهور للإمامية ، وارتضى براهينهم على ذلك ، ولكن لا بد من معرفة أن هذه المسالة من فروع بحث الجبر والتفويض الذي لا يتوافق مذهب الإمامية فيه مع كل واحد من المعتزلة والأشاعرة ، بل أن كلام المعتزلة أوهى وأوهن من كلام الأشاعرة . وإذا نزع بعض المتكلمين من الإمامية رضوان الله تعالى عليهم نحو رأي المعتزلة ، فإنه نتيجة الغفلة عن حقيقة الحال والمآل . وقد قلنا قبل قليل بأن مسألة الجبر والتفويض المطروح على الاربعون حديثا :500

صفحہ 499