362

تستشري من باطن الذات ، الوسوسة والشك والشرك والشبهات الباطلة ، وتسري في كل أنحاء الجسم .

وعلى هذا القياس المذكور ، إذا كانت وجهة القلب نحو تعمير الآخرة ، والمعارف الحقة ، وعالم الغيب ، لحصل له وئام مع الملكوت الأعلى ، الذي هو عالم الملائكة ، وعالم النفوس الطيبة السعيدة ، والذي يكون هذا العالم بمثابة الظل النوراني لعالم الطبيعة ، وتعتبر العلوم التي تفاض عليه ، من العلوم الرحمانية الملكية والعقائد الحقة ، وتصير الخواطر من الإلقاءات والخواطر الإلهية ، ويتطهر من الشك والشرك ويتنزه منهما ، وتحصل الاستقامة والطمأنينة في النفس ، وتصير أشواقها أيضا على ضوء تلك العلوم ، وإرادتها على ضوء تلك الأشواق . ومجمل الكلام أن الأعمال القلبية والقالبية والظاهرية والباطنية ، تتحقق على أساس العقل والحكمة .

ولهذه الإلقاءات الشيطانية والملكية والرحمانية مراتب ومقامات ، ولا تسمح هذه الصفحات فعلا ، في تفصيل ذلك .

وتدل على ذلك بعض الأخبار الشريفة ، مثل ما ورد في مجمع البيان عن العياشي :

روي العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب ، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره اذنان : اذن ينفث فيها الملك واذن ينفث فيها الوسواس الخناس ، يؤيد الله المؤمن بالملك وهو قوله سبحانه : « وأيدهم بروح منه» (1) .

وفي «مجمع البحرين» : في حديث آخر : «إنه قال : الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ، له خرطوم مثل خرطوم الخنزير ، يوسوس لابن آدم أن أقبل على الدنيا وما لا يحل الله ، فإذا ذكر الله خنس» (2) إلى غير ذلك من الروايات .

فصل:

بعد أن علمنا عن طريق أهل المعرفة ، أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية ، كما ورد في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه ، والأحاديث الأخرى ، نضطر إلى بيان هذا الموضوع بطريق آخر يكون أقرب إلى أذهان العامة وأكثر ملائمة لها ، رغم أن البيان السابق عند أهله موافق للقواعد العقلية والضوابط البرهانية ومطابق لذوق أهل المعرفة ومشاهدات أصحاب القلوب ، ولكن حيث أنه يرتكز على قواعد وأسس خارجة عن مستوى هذا الكتاب ننصرف عن بيانه فنقول :

صفحہ 366