356

والقلب الكدر والخلق الذميم إلى عالم الآخرة . كيف تكون مصائبنا ومحنتنا ، وكيف يكون مصيرنا ، وأن أي ظلم ووحشة وعذاب توفر لنا هذه العلوم وهذه الأخلاق ؟

فصل:

نقل محقق الفلاسفة صدر الحكماء والمتألهين قدس الله سره وأجزل أجره في (شرح أصول الكافي) عن الشيخ الغزالي كلاما طويلا خلاصته : أن العلوم تنقسم إلى علوم دنيوية وأخروية ، وجعل علم الفقه من العلوم الدنيوية . وقسم العلوم الأخروية إلى علم المكاشفة والمعاملة واعتبر علم المعاملة ، هو العلم بأحوال القلوب ، وعلم المكاشفة نور يحصل في القلب بعد تطهيره من الصفات المذمومة ، وبه تنكشف الحقائق ، وتحصل المعرفة الحقيقية بالذات والأسماء والصفات والأفعال وأسرارها وكافة المعارف الإلهية (1) .

ولما كان هذا التقسيم مرضيا لدى المحقق المذكور قال في شرح هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه : (الظاهر أن هذا التقسيم الحاصر الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعود إلى علوم المعاملات ، لأن معظم الناس ينتفعون من هذه العلوم ، وأما علوم المكاشفة ، فتحصل لدى قليل من الناس وتكون أعز من الكبريت الأحمر ، كما تدل عليه أحاديث كتاب الإيمان والكفر التي سنذكرها) .

يقول الكاتب إن في كلام الشيخ الغزالي إشكال . وعلى فرض صحة كلامه وعدم توجه الاشكال عليه ، يرد اشكال آخرعلى ما ذكره صدر المتألهين رحمه الله تعالى . أما الاعتراض على كلام صدر المتألهين حسب فرض صحة كلام الغزالي ، فهو أن الغزالي اعتبر علم المعاملات الذي هو العلم بأحوال القلب من المنجيات حينا مثل الصبر والشكر والخوف والرجاء وغير ذلك ، ومن المهلكات حينا آخر مثل الحقد والحسد والغل والغش وغيرها ، وعليه لا تكون العلوم الثلاثة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علوم المعاملة إلا قسم واحد منها وهو الفريضة العادلة ، وقد تقدم شرح ذلك . في حين أن صدر المتألهين جعل العلوم الثلاثة من علوم المعاملة .

وأما الملاحظة الواردة على كلام الشيخ الغزالي فتتجسد في أمرين :

أحدهما : إنه اعتبر علم الفقه من العلوم الدنيوية والفقهاء من علماء الدنيا ، مع أن هذا العلم من أعز علوم الآخرة . وهذا التوجه ، نشأ من الحب للنفس ، وحب ما يتصور أنه من أهله وهو علم الأخلاق بالمعنى المتعارف المتداول بين الناس ، ولهذا طعن في كل العلوم ، حتى العلوم العقلية .

صفحہ 360