آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
اصناف
وقبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى في تفكير كامي في هذا الموضوع، يجدر بنا أن نشير إلى مجموعة المقدمات الباطلة التي ارتكز عليها في آرائه السابقة؛ فهو يفترض أن تمرد العبد على السيد، والفقير على الغني، قد انتهى عهده، مع أن هذا التمرد ما يزال قائما، بل إنه هو الشكل الرئيسي للتمرد في عصرنا هذا، وهو الذي يضفي على كل شكل آخر من أشكال التمرد في أيامنا هذه طابعه المميز، أما التمرد الميتافيزيقي للإنسان على وضعه وموقفه، ومركزه في الكون، فقد كانت دواعيه منذ أقدم العصور قائمة على الدوام؛ لأن وضع الإنسان من الوجهة الميتافيزيقية لم يتغير في شيء، وإذا كان هذا النوع من التمرد قد ازدهر بصورة خاصة في الفترة التي تحدث عنها كامي، فلا بد أن ذلك راجع إلى أسباب غير ميتافيزيقية، أعني أسبابا تتعلق بطبيعة الحياة في القرنين الأخيرين على وجه التحديد، أما الأمثلة التي ساقها كامي للتمرد الميتافيزيقي - وأهمها «ساد» ودستويفسكي ونيتشه - فلن نقف عندها طويلا، وإنما يكفينا أن نشير إلى أنه لم يستخلص من تفكير دستويفسكي أو نيتشه إلا الدلالة السلبية فحسب، أعني التشجيع على ما يسميه «بالجريمة»، مع أن جزءا كبيرا من أفكارهما كان موجها في الواقع إلى الحيلولة دون وقوع «جرائم» أكبر. •••
على أن كل تمرد ينتهي إلى ضده، وذلك عندما يتحول التمرد إلى «ثورة سياسية» تدعم سلطة الدولة وقوتها؛ فالنمو الغريب المرعب للدولة الحديثة يمكن أن يعد نتيجة منطقية لمطامح فلسفية واقتصادية غير منظمة، بعيدة عن الروح الحقيقية للتمرد، ولكنها تؤدي مع ذلك إلى بعث الروح الثورية المميزة لعصرنا؛ فالأحلام التنبؤية عند ماركس، والتنبؤات المبالغ فيها عند هيجل أو نيتشه قد انتهت، بعد أن قوضت أركان مدينة الله إلى تشييد دولة قائمة على العقل أو على نقيضه، ولكنها في كلتا الحالتين كانت مبنية على الإرهاب.
وعلى ذلك فالثورة في رأي كامي نتيجة منطقية لا مفر منها للتمرد، وعلى حين أن التمرد هو في حقيقته موقف ذهني أو عقلي فحسب، فإن الثورة إنما هي تطبيق غير سليم لمفاهيم التمرد، وهو تطبيق ينتهي في رأيه حتما إلى عكس الغاية الأصلية للتمرد، أي إلى تقييد الحرية بدلا من توسيعها، وهنا أيضا ينطوي تفكير كامي على مقدمات ينبغي التنبيه إليها حتى لا ينساق الذهن في تيارها دون تمييز؛ فهو يفترض أن دعم قوة الدولة شر في جميع الظروف، وصاحب هذا الرأي لا بد أن يكون ذا ميول فوضوية، وبالفعل نجد كامي يبدي اهتماما كبيرا بشخصية باكونين، داعية الفوضوية الأكبر، ويبدي عطفا حقيقيا على الفوضويين من أمثال كيلاييف، أولئك الذين يقتلون ويموتون دون أن يسعوا في أية مرحلة في حياتهم إلى إقامة دولة أو دعمها؛ فهؤلاء في نظره هم «المتمردون» الحقيقيون، الذين يرفضون تمجيد أنفسهم في نظام للحكم، أو التنازل عن حريتهم في سبيل الدولة، مع هؤلاء يتعاطف كامي، وفي هذا الإطار الذي تجاوزه التاريخ المعاصر إلى غير رجعة يدور تفكيره. •••
وعلى أساس هذا الفهم لطبيعة الثورة - في علاقتها بالتمرد الأصيل الذي نبعت عنه - يحكم كامي على الثورات السياسية التي عرفها الغرب في القرنين الأخيرين؛ فالثورة الفرنسية عندما قتلت الملك، كانت في واقع الأمر قضاء على الآلهة، وتحريرا للإنسان من ربقتها؛ لأنها قضت على «فكرة» الملك، أي على رمز السلطة الإلهية. وهكذا لا ينظر كامي إلى هذه الثورة الحاسمة إلا من خلال هذه الصورة الرمزية، ويتجاهل أبعادها الاجتماعية الهائلة الأخرى، إن لويس السادس عشر - في واقع الأمر - لم يكن أول ملك يقتل، ولكنه كان أول ملك تقتله الجماهير، والثورة ذاتها لم تكن أول محاولة لتغيير نظام الحكم بالقوة، ولكنها كانت أول محاولة ناجحة قامت بها جموع شعب مضطهد جائع للاستيلاء على السلطة، وإقرار حكم مبني على قيم جديدة، وحين يستعرض المرء أمام ناظريه مجموعة الأحداث الضخمة التي صاحبت قيام هذه الثورة، ينبغي أن يكون أقل الأمور شأنا بالنسبة إليه هو صورة قتل الملك بوصفه رمزا لسلطة الألوهية، وإنما الواجب أن تحل محلها صورة الملك من حيث هو رمز لطبقة اجتماعية ظلت تتحكم في التاريخ الغربي كله حتى ذلك الحين؛ فالدلالة الاجتماعية لمقتل الملك، ولاستيلاء الطبقة الدنيا - لأول مرة - على مقاليد الحكم - ولو بصفة مؤقتة - هي أبرز الصور التي توحي بها الثورة الفرنسية، أما الصورة التي استحوذت على تفكير كامي، فأهميتها ثانوية إلى حد بعيد.
على أن كامي لا يكتفي بذلك في حكمه على الثورة الفرنسية، بل إنه ينظر إلى قتل الملك على أنه رمز «للجريمة»؛ فهو في رأيه دليل على التطرف الذي يصيب الإنسان عندما تتحول روح التمرد فيه من حالة ذهنية إلى ثورة سياسية، ومن المؤكد أن هذا الحكم على قتل الملك بأنه رمز للجريمة ومظهر للتطرف لا يصدر إلا عن ذهن يتجاهل كل المظاهر الأخرى «للجريمة» قبل قتل الملك، أعني الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، والفقر والجوع والمرض، وكل ما كان يعانيه الذين قتلوا الملك من ويلات، وما وقع عليهم من جرائم حقيقية، تفوق تلك التي أصابت الملك وكل ضحايا الثورة الفرنسية، الظالمين منهم والأبرياء ألوف المرات، فأقل ما يمكن أن يحكم به على نظرة كامي هذه إلى الثورة هو أنها نظرة أرستقراطية محدودة أو ضيقة الأفق. •••
ولكي نتابع تفكير كامي في النتائج التي ترتبت على «الجريمة» الأولى - التي أذنت بانبثاق عهد الثورة السياسية في العصر الأخير - علينا أن نتساءل: ما دلالة هذا الحادث الرمزي الضخم، حادث مقتل الملك، أي القضاء على رمز السلطة الإلهية، في مطلع الفترة التي سادتها روح التمرد؟ لقد كان القضاء على السلطة الإلهية، وبالتالي التحرر من قيود الدين، إيذانا ببدء تحول ضخم؛ ففي العصور الدينية ، يسود معنى الأزلية، ويتضاءل تأثير التاريخ والزمانية. وإذن فقد كان مقتل الملك - وهو رمز السلطة الإلهية - إيذانا باستهلال عهد جديد، اختفت فيه فكرة الأزلية، وتحكمت فيه فكرة التاريخ، وفي ظل سيطرة «التاريخ» هذه استبيحت الجريمة وانتهى عهد المسالمة الذي ساد البشرية عندما كان كل شيء يقاس بمقاييس أزلية. ولا جدال في أن تفكير كامي في هذا الصدد يبدو غامضا، وربما استغلق تماما على الفهم، إن لم نوضح معنى «التاريخ» عنده، ونحدد طبيعة الارتباط الذي يقول به بين التاريخ وبين سيطرة العنف على سلوك البشر.
إن اختيار الإنسان للتاريخ يعني اختياره للعدمية الأخلاقية؛ ففي ظل الأزلية كان كل شيء يخضع لقواعد محتمة لا يضل الناس طريقهم إليها، أما في ظل التاريخ، فإن صرامة الحركة الزمانية تجرف أمامها كل شيء، وهكذا يصبح الهدف هو «الفعل» بلا قواعد ولا مبادئ أخلاقية، وعندما أصبح التاريخ هو المسيطر على أذهان البشر - في القرن التاسع عشر - أصبحت روح التمرد فيهم تستهدف الفعل المطلق، دون أن يحدها حد أو يقف في وجهها عائق.
ولقد اتخذت سيطرة التاريخ شكلين، أدى كل منهما إلى نوع مختلف من «الجريمة»؛ فالتاريخ إما أن ينظر إليه على أنه قوة عاقلة، أو على أنه قوة لا عاقلة، في الحالة الأولى أدى التاريخ إلى الثورة الشيوعية، وفي الثانية إلى النازية.
فبفضل تأثير هيجل، أصبح ينظر إلى العقل على أنه القوة المحركة للتاريخ، وترتب على ذلك سيادة النزعة المادية العلمية والنزعة الإلحادية واللاأخلاقية، ووضعت للتاريخ غايات حددها العقل مقدما، ثم أصبح كل شيء يستباح في سبيل تحقيق هذه الغايات. وهكذا تم التحالف بين هذه النزعة العقلية في تفسير التاريخ، وبين الحركة الثورية التي قادها مثقفو القرن التاسع عشر، والتي كانت قبل ذلك الحين حريصة كل الحرص على الارتباط بأصلها الأخلاقي المثالي، وكانت سيطرة أفكار هيجل - بما فيها من معقولية تاريخية صارمة، على هذا الاتجاه الثوري، وتحويلها إياه من منابعه النقية إلى تاريخ العنف - إيذانا بانتصار الأيديولوجية الألمانية، التي سارت في طريق التطرف حتى بلغت قمتها في الثورة الشيوعية الروسية في القرن العشرين؛ «فالقيم لا توجد إلا في نهاية التاريخ، وإلى أن يأتي ذلك الحين لا يوجد معيار ملائم يبنى عليه أي حكم للقيمة، وإنما ينبغي أن يسلك المرء ويعيش من أجل المستقبل، وهكذا تصبح كل أخلاق مؤقتة.» وإذن فالخطر الأكبر - الذي فتحت أبوابه على مصراعيها بفضل تعاليم هيجل - هو أن نعهد إلى التاريخ وحده بمهمة خلق القيم وإقرار الحقيقة، «فعندما يكون من المستحيل فهم أي شيء بوضوح قبل أن تظهر الحقيقة في ضوء باهر - عند نهاية الزمان - فعندئذ يصبح كل فعل مستباحا، وتصبح السيادة للقوة لا ينافسها شيء.»
ويعتقد كامي أن النازية بدورها نتيجة لسيادة فكرة التاريخ على تفكير الإنسان المعاصر، وإن تكن تنظر إلى التاريخ على أنه قوة لا عاقلة؛ «فهتلر» هو التاريخ في أنقى صوره؛ ذلك لأن هتلر كان يمجد الفعل المحض، دون أي أساس أو أي مبدأ يستهدفه ذلك الفعل، وما كانت حياة هتلر، بوصفه حاكما إلا سلسلة من الأفعال، ومن الحركة المتصلة التي لا تتخذ لنفسها أي هدف؛ فالنازية عدم محض بلا أفكار ولا أهداف، وإنما هي سلسلة من «الأفعال» الوحشية فحسب. ومنذ بداية هذه الحركة لم تكن قد رسمت لنفسها خطة محددة، بل كانت تنتقل من فعل إلى فعل، ومن نجاح إلى نجاح ، غير هادفة إلى شيء سوى المزيد من المغامرات فحسب، وفي ظل هذه العدمية المطلقة عاشت النازية حياتها وهي تتصور التاريخ على أنه قوة لا عقل فيها ولا هدف لها، قوة أشبه بالسيل الجارف الذي ينطلق وينطلق ويهدم في طريقه كل شيء، دون غاية توجهه أو خطة تتحكم في مساره.
نامعلوم صفحہ