98

اقوم المسالک

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك

اصناف

واعلم أن وظيفة أعضاء ورؤساء مجالس الجنايات والمجالس العرفية عمرية، للملك توليتهم وليس له عزلهم إلا بحكم يصدر من المجالس. (9) في الكلام على ترتيب مجالس الحكم

اعلم أن في كل كومون أي محل ولاية لشيخ حاكما يسمى حاكم الصلح، وله نائبان للقيام بمأموريته في مغيبه بالتناوب، والجميع بولاية من الملك، وليست وظيفتهم عمرية، بل يمكن تأخيرهم عن المباشرة. وكلفة هذا الحاكم فصل النوازل الخفيفة المالية الواقعة بين السكان على وجه الصلح، وأحكامه على قسمين:

أحدهما:

الحكم القاطع في الحال، بحيث لا يتوقف تنفيذه على نظر مجلس التحقيق، وهو ما تعلق بمقدار مائة فرنك فأقل.

والثاني:

ما يتوقف تنفيذه على التحقيق، وهو ما تعلق بأكثر من مائة إلى نهاية المائتين. وكذلك له فصل النوازل التي تكون في مقدار ألف فأقل إذا كانت فيما يفوت بفوات الوقت، وترفع إليه نوازل الجنايات الواقعة بين سكان عمله لعمل التقارير وتحرير الحجج اللازمة، وقد تطلبهم كبار العائلات بالتوجه إلى محل سكناهم لمعاينة ما يقع من الجنايات فيها، ولهم النظر مع الضبطية في النزاع الخفيف الواقع بين السكان كالتعدي على الزروع والبساتين وقطع ما لا يسوغ قطعه من شجر الغابة ونحو ذلك. قلت: وما أنفع هذا الترتيب؛ إذ النوازل الخفيفة لا تقبل التطويل إلا أنه يشترط في الحاكم الصلحي من المعرفة وتمام المروة أكثر مما يشترط في غيره؛ لانفراده بالحكم وعدم تعقبه في غالب النوازل، وفي كل من الأوطان الكبار مجلس لفصل النوازل العرفية من الماليات ما عدا النوازل المتجرية، إلا إذا لم يكن في الوطن مجلس متجري، وكل من المجالس المذكورة مركب من رئيس أول ورؤساء ثوان، ومن سبعة أعضاء إلى اثني عشر، ومن أربعة معينين إلى ستة، فالمجالس المركبة من سبعة أعضاء وأربعة معينين تنقسم إلى قسمين، والمركبة من اثني عشر عضوا وستة معينين تنقسم على ثلاثة، بحيث لا يكون القسم أقل من ثلاثة أعضاء، ولكل قسم نوازل معروفة، وفي النوازل المهمة تجتمع الأقسام كلها، ولا تحقيق على المجالس المشار إليها في الأحكام المتعلقة بمبلغ ألف وخمسمائة فرنك، وفيما دخله ستون فرنكا في السنة من الريع والعقار. وفيما عدا الفصلين المذكورين للمحكوم عليه أن يرفع نازلته لمجلس التحقيق. ثم إن المجالس العرفية المذكورة لها تحقيق الأحكام الصادرة من حكام الصلح في القدر الذي فيه التحقيق، ولها الحكم في الجنايات الخفيفة التي تقع في أوطانها وسجن الجاني مدة معلومة أقلها خمسة أيام وعقوبته بأداء مال أكثره خمسة عشر فرنكا، وفي كل من مراكز الإيالات مجلس جنايات يتركب من رئيس يرسله مجلس التحقيق الكائن في تلك الإيالة وثلاثة أعضاء تؤخذ أيضا من مجلس التحقيق أو من المجالس العرفية إن لم يوجد بتلك الإيالة مجلس تحقيق. وفي كل من مجالس الجنايات اثنا عشر عضوا في الأقل تنتخب من أعيان المملكة تسمى الجوري، وذلك أن مقتضى قوانينهم أن ينتخب في كل سنة عدة أشخاص من أهل المملكة ممن تتوفر فيهم شروط مقررة في القوانين، وهم المسمون بالجوري، فيحضر منهم بالمجلس اثنا عشر عضوا في الأقل، وصورة عملهم في ذلك أن الوكيل العمومي أي المحتسب إذا أدلى بدعواه على المدعى عليه؛ لأنه هو القائم بالدعوى في الجنايات، وناضل عنه وكيله واستوفى الرئيس أعماله من الاستفسار وجلب الشهود ونحو ذلك يلتفت الرئيس إلى الجوري ويطلب منهم بيان ما ظهر لهم في النازلة، فتنحاز جماعة الجوري إلى مكان لهم ليتفاوضوا فيها، وما يتفق عليه غالبهم يعرف به رئيسهم رئيس مجلس الجنايات؛ لأن الجوري لا مدخل له في تعيين مقدار العقوبة، وإنما نظره في طرق ثبوت الدعوى، وكون المدعى عليه معذورا عذرا يقتضي التخفيف أولا لتفاوت العقوبة عندهم باختلاف بواعث الجناية، فإن من صمم على القتل مثلا قبل صدوره منه بمدة ليس كمن تعدى عليه المجني عليه حتى حمله على الفتك به، إلى غير ذلك من الأعذار التي تخف بها العقوبة.

وحكمهم بالبراءة لا يتوقف تنفيذه على موافقة مجلس التحقيق، نعم قد ينظره المجلس الأعلى باعتبار فهم القانون ليعتبر ذلك فيما يستقبل، فلا يبقى لمجلس الجنايات بعد إعطاء الجوري رأيه إلا تنزيل العقوبة من القانون إن كان الحكم بالعقوبة، أو إطلاق المدعى عليه في الحين إن كان الحكم بالبراءة.

ولا يقبل هذا المجلس نوازل الجنايات السياسية كمن يهجم على ذات الملك بسوء أو يحير راحة المملكة أو نحو ذلك؛ لأن لتلك النوازل مجلسا يخصها كما تقدم. قلت: ومع كون وظيفة أعضاء مجالس الحكم ورؤسائها عمرية في ممالك أوروبا فإن الأهالي لم تر فيها ضمانة كافية لحفظ حقوقها إن قصد الأمراء ظلما؛ لأن تأبيد وظيفة الأعضاء لم تنتف به سلطة الأمراء عليهم؛ لأنه قد بقي بأيديهم ترقيتهم من مرتبة إلى ما فوقها من الخطط، وربما يتسبب عن ذلك ميل الأعضاء إلى إرضاء جانب الأمراء وقت الحكم، ولذلك جعل تعيين الحكم بالذنب أو البراءة إلى جماعة الجوري التي تنتخبها الأهالي سدا للذريعة، وجعل تنزيل العقوبة من القانون إذا كان الحكم بالذنب، وجلب الشهود واستفسارهم وغير ذلك من الأعمال لأعضاء المجالس ورؤسائها، وبالمملكة ثمانية وعشرون مجلسا تسمى كوردابل، بكل منها رئيس أول ورؤساء ثوان بقدر ما يوجد به من الأقسام التي هي في الغالب ثلاثة: قسم لتحقيق أحكام العقوبات الخفيفة التي لا يحضرها الجوري، وقسم لتحقيق سائر الأحكام الصادرة من المجالس العرفية ومجالس المتجر، وقسم للتأمل في حجج الدعوى هل تقتضي إرسال المدعى عليه لمجلس الجنايات أم لا؛ لأن دعوى الجناية تعرض أولا على المحتسب، وهو يعرضها على هذا القسم بعد إتمام أعمال له. وفي كل من المجالس محتسب عمومي ومعه محتسبان لإعانته من طرف الدولة للمناضلة عن حقوق القانون في سائر النوازل، لا سيما الجنايات. وبالبلدان الكبار مجالس متجرية مركبة من أعضاء ينتخبهم أهل المتجر لمدة عامين.

ولما كانت جميع المجالس تحكم باسم الملك؛ إذ هم نوابه، وجب عرض أسماء المنتخبين لها عليه؛ إذ له تولية سائر أعضاء مجالس الحكم ورؤسائها، ولا يتجاوز المجلس المتجري أربعة عشر عضوا غير الرئيس، ولا يكون أقل من عضوين، وفي كل مجلس معينون بقدر الحاجة، والنوازل التي تنشر في المجالس المتجرية هي ما يقع بين أهل المتجر من رسوم الاتفاقات وبيوع السلع بالآجال وعقد الشركات والسفاتج وغير ذلك مما له تعلق بالمتجر.

وبالمملكة مجلس أعلى مقره تختها تنتهي إليه جميع الأحكام الصادرة من المجالس، سواء كانت في الأمور العرفية أو الجنايات أو المتجر، وبحكمه تنتهي النوازل. وصورة نظره أنه لا يتأمل في أصل النازلة من جهة ثبوتها أو بطلانها، وإنما ينظر في أعمال المجالس أكانت على مقتضى القانون أم لا وهل يقتضي القانون ما حكموا به أم لا، ومهما عثر على خلل في الحكم يحكم ببطلانه ويرجع النازلة إلى من يعينه من مجالس التحقيق ليستأنف النظر فيها، فإن وافق المجلس الأول وردت النازلة إلى المجلس الأعلى فإنه يعيد التأمل فيها باجتماع غالب أعضائه، وبحكمه تنتهي النازلة، وهذا الحكم الأخير يجب على مجالس الحكم اعتباره كشرح للقانون في نظائر تلك النازلة، ولهذا المجلس السلطة والنظر على أعضاء سائر مجالس الحكم بالمملكة كإلزام طاعة أهل المناصب بعضهم لبعض واحترام مكارم الأخلاق واجتناب ما لا يسوغ للحاكم، وفي قوته تعطيل خدمة أحد أعضاء مجالس الحكم وإرساله إلى وزير الأحكام لاختبار حاله.

نامعلوم صفحہ