نازی جرمنی
ألمانيا النازية: دراسة في التاريخ الأوروبي المعاصر (١٩٣٩–١٩٤٥)
اصناف
فقد التفت حول الماريشال الكهل - كان يناهز الخامسة والثمانين - بطانة، كان من أهم أعضائها ابنه «أوسكار
Oskar »، وهو ضابط عامل في الجيش، و«أوتو ميسنر
Otto Messiner » مستشار الرئيس وأحد وزراء الحكومة، وفرانز فون بابن، أحد مستشاري الريخ في هذا العهد، والجنرال «كيرت فون شليخر
Kurt von Schleicher » من وزراء الحربية ومن زملاء هندنبرج القدماء، وصاحب أكبر نفوذ في ألمانيا الجمهورية، وغير هؤلاء. وكان غرض هذه البطانة الأساسي بعد أن تبينوا خطر المركز الذي صار يتمتع به النازيون - وعلى رأسهم الهر هتلر - أن ينفض ملايين الناخبين الذين أعطوا أصواتهم للنازيين من حول الهر هتلر، وأن ينصرف اهتمامهم إلى تحقيق أغراض أخرى، كما أنهم صاروا يعنون بضرورة تأييد الرأسماليين وتعزيز مراكزهم حيال أية محاولة اشتراكية ضدهم في المستقبل، كما أرادوا أن يعيدوا تشييد صرح الدولة الألمانية على أساس المسيحية القديم، وهو الأساس الذي كان قد أخذ يتداعى منذ مدة طويلة حتى أشرف على الانهيار، وكانوا يرغبون كذلك في إعادة البحث في الدستور الألماني، وتنظيم كيان الدولة على نحو يضمن استمرار الحكم في أيدي أحزاب «الوطنيين» من أصحاب الإرادة القوية والفكر الناضج، وكانوا يعنون أنفسهم بهذا الوصف؛ لأنهم اعتقدوا أن خلاص ألمانيا - كما أرادوها - لا يمكن أن يحدث إلا إذا حرم الأهلون كافة الحقوق عدا حق واحد يخول لهم انتخاب دكتاتور يهيمن على شئون البلاد، وهو حق لا يستطيع الناخبون ممارسته إلا في فترات متقطعة.
وكان موقف هذه «البطانة» من الوطنية الاشتراكية موقفا غريبا حقا؛ فلم يكن يضيرهم وجود النازيين؛ لأنهم كانوا يدخلون الرعب إلى قلوب الاشتراكيين، ولكنهم كانوا بوصفهم من قواد الجيش يكرهون الفوضى والأحزاب السياسية قاطبة، وبوصفهم من أصحاب الأراضي الزراعية الواسعة يسوءهم رؤية ضياعهم العظيمة، «المفلسة» غنيمة يقتسمها الفلاحون فيما بينهم، كما أنهم كانوا لا يرضون - كرجال أعمال - عن «الأوتاركية» أو «الاكتفاء الذاتي»، وما كانوا يوافقون قط على أن تمتد يد الاشتراكية إلى ممتلكاتهم وثرواتهم، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يكرهون الهر هتلر على اعتبار أنه من قادة الجماهير، وقد ظل مغمورا حتى أتاحت له الظروف الطارئة أن يظهر على مسرح السياسة؛ ولذلك وجدوا أن خير وسيلة لتحقيق أغراضهم أن يحصروا حركة الطبقة المتوسطة التي يتزعمها هتلر - وهي حركة ثورية - وأن يحدوا من انتشارها، حتى يستطيع الرأسماليون استئناف أعمالهم.
وغني عن البيان أن «بطانة» بلغت آراء أعضائها إزاء الوطنية الاشتراكية من التضارب هذا المبلغ، واعتمدت في وجودها على صداقة رئيس الجمهورية لها وعطفه عليها، ما كان في استطاعتها أن تحقق أغراضها إلا بالالتجاء إلى المناورات السياسية واستصدار المراسيم والقرارات الحكومية، وتعطيل مواد الدستور، حتى يتسنى لها الفوز بالحكم دون إشراك مجلس الريخستاج، «أو الأمة» وبخاصة عندما ظفر الوطنيون الاشتراكيون «النازيون» بمقاعد كثيرة في هذا المجلس، وهذا ما حدث فعلا. فقد ظل مستشار الريخ في تلك الآونة الدكتور بروننج يحكم بمقتضى قرارات استثنائية، وحاول كبح جماح هتلر وأنصاره بتنفيذ مطالب حزبهم المعتدلة. ولكنه ما كاد يشرع في تجزئة «الجفالك» الواسعة في بروسيا الشرقية إلى ملكيات صغيرة حتى ثار عليه أصحاب هذه الأراضي المعروفون باسم «يونكر
Junkers »، واتخذ منافسوه من بين رجال «البطانة» من هذه المحاولة ذريعة لإيغار صدر الماريشال هندنبرج عليه، فطرد «بروننج» من المستشارية في مايو 1932. أما هؤلاء المنافسون فكانوا «هوجنبرج»، زعيم الوطنيين وأصحاب الخوذ الفولاذية، وفون بابن، والدكتور شاخت
Schacht (وكان محافظا لبنك الريخ بين عامي 1923-1929، ثم غادر صفوف الديموقراطيين وانحاز إلى اليمين، ثم اتصل بالنازيين منذ عام 1931)، كما انضم إلى هؤلاء المتآمرين في بطانة الرئيس، الوطنيون الاشتراكيون، وكانوا جميعا قد استطاعوا منذ مدة أن يؤلفوا من بينهم جبهة قوية عرفت باسم «محالفة هارتزبرج»، وكان من أول أعمال هذا التحالف تأييد ترشيح أدولف هتلر لرياسة الجمهورية ضد الماريشال هندنبرج نفسه في انتخابات 10 أبريل 1932. ولم يكفل النجاح للماريشال وقتذاك سوى انحياز الاشتراكيين الديموقراطيين إلى جانبه.
أما هندنبرج، فإنه لم يلبث أن عهد بالمستشارية بعد طرد «بروننج» إلى «فون بابن» على الرغم من أن بابن ما كان يستطيع الحصول على عدد من الأصوات في داخل مجلس الريخستاج يزيد على أصوات حزب «هوجنبرج»؛ ولذلك صار يعتمد الاعتماد كله على صداقة رئيس الجمهورية فحسب. ولما كان غرض «فون بابن» إقصاء الاشتراكيين الديموقراطيين عن حكومة بروسيا إقصاء تاما، فقد قرر الاستناد إلى تأييد الجيش الألماني النظامي الذي تألف بعد الحرب العالمية الأولى وهو «الريشفهر
Reichswehr » وعلى ذلك عين رئيس هذا الجيش الجنرال «كيرت فون شليخر» وزيرا للحربية، واستطاع فون بابن تنفيذ مآربه.
نامعلوم صفحہ