951

قال السندي: وباعدني مباعدة أيست معها أن يساعدني إلى أن اخرجت إليه كتاب منصور بن المهدي فبكى بكاء شديدا، ثم قال: فعل الله بالحسن بن سهل وصنع فإنه عرض هذه الدولة للذهاب، ثم أمر بضرب الطبل وانكفى راجعا إلى (بغداد)، فلما صار بالنهروان تلقاه أهل (بغداد) وبنوا هاشن والقوادوجميع أولياء الدولة العباسية مسرورين بقدومه،فدخل (بغداد) في جمع عظيم وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش يختار الرجال منها وأطلق له بيت الأموال، وخرج إلى الناشرية فعسكر بها ونادى بالرحيل إلى (الكوفة) وهو في نحو مائتين ألف مقاتل بين راجل وفارس فرحل بالناس وأبو السرايا بالقصر وقد لمحمد بن إسماعيل بن عبدالله الأرقط بن علي بن الحسين على المدائن، وظهر في هذه الأيام محمد بن جعفر الاصدق بالمدينة، ودعا إلى نفسه، وبايع له أهل (المدينة) بأمر المؤمنين كما سيأتي إنشاء الله تعالى، وأحيط ب(بغداد)، وظهر العلويون ظهورا عظيما، وصار أبو السرايا إلى نهر صرصر بقى بينه وبين (بغداد) فرسخان فلما صار هرثمة إلى شرقي صرصر وأبو السرايا في غربه، وقد وجه الحسن بن سهل إلى المدائن علي بن سعيد وحماد التركي وجماعة من القواد في جيش عظيم فقاتلوا محمد بن إسماعيل وهزموه واستولوا على المدائن ومضى أبو السرايا من فوره بالليل ولم يعلم هرثمة، وكان جسر صرصر مقطوعا بينهما يريد\ المدائن فوجدوا العلويين قد خرجوا منها واستولى عليها المسودة فناوشه أبو السرايا القتال فقتل غلامه أبو الهرباس فدفنه أبو السرايا هناك، ومضى نحو القصر فلما صار بالرحب لحقه هرثمة هناك فوقع بينهم قتال شديد فهزم أبو السرايا وقتل أخوه-رحمه الله-حتى نزل الحاربة، ولما دنى هرثمة من (الكوفة) أجمع رأيه على سد الفرات ومنعهم الماء وصبه في الآجام والمغايط التي شرق الكوفة ففعل فانقطع الماء من (الكوفة) فعظم ذلك على أهل (الكوفة) وأزمعوا على معاجلة هرثمة فبينما هم كذلك إذ انبثق السكر الذي سكروه وأقبل الماء يجر الخشب، ثم أن هرثمة...إلى (الكوفة)مما يلي الرصافة، وخرج أبو السرايا في الناس فعباهم تعبية حسنة،ثم أن أبا السرايا حمل فيمن معه فانهزم أصحاب هرثمة هزيمة رقيقة، ثم عطفوا وجوه دوابهم فانهزموا فنادى أبو السرايا لا تتبعوا فإنها خديعة فوقفوا وتبعهم أوب كبلة وأبعد فرجع وأعلم أبو السرايا أنهم قد عبروا الفرات فرجع أبو السرايا بالناس إلى (الكوفة)، ثم خرج يوم الاثنين لسبع خلون من ذي القعدة، وقد كان جاسوسه أخبره أن هرثمة يريد مواقعته في لذك اليوم فعبأ الناس مما يلي الرصافة، ومضى نحو القنطرة فلم يبتعد حتى أقبلت خيل هرثمة فرجع أبو السرايا كالجمل الهائج يكاد الغضب أن يلقيه من سرجه فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله قط ونظر أبو السرايا إلى روح بن الحجاج قد رجع فقال له: والله لئن رجعت لأضربن عنقك، فرجع وقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بعد بلاء شديد، وقتل أبو كيلة غلام أبو السرايا، واشتد الحرب وكشف أبو السرايا رأسهوجعل يقول:يا أيها الناس صبر ساعة وثبات قليل فقد فشل القوم ولم تبق إلا هزيمتهم، ثم حمل وخرج إليه قائدا من قواد هرثمة وعليه الدرع والمعفر فتناوشا ساعة ثم ضربه أبو السرايا ضربه على بيضته فقده نصفين حتى خالط السيف قربوس سرجه وانهزمت المسودة هزيمة قبيحةن وتبعهم اهل (الكوفة) يقتلونهم كيف شاؤا فنادى ابن السرايا يا أهل الكوفة أحذروا كرتهم بعد القوة فإن االعجم قوم دهاة فلم يصغوا إلى قوله وتبعوهم وقد كان هرثمة أسر في الهزيمة ولم يعلم أبو السرايا بأسره والذي أسره بعد وقوعه من الفرس عبد سندي، وقد كان هرثمة خلف في عسكره عبيدالله بن الوضاح في خمسة آلاف فارسفلما حقت اهزيمة في عسكر المسودة واشتجر القتل والأسر يقولون قتل الأمير يعنون هرثمة فقال ابن الوضاح: فما يكون إذا قتل وكشف رأسه وقال: إلي يا أهل (خراسان) أنا عبيدالله بنالوضاح اثبتوا وكروا على القوم، وكان أهل (الكوفة) قد شغلهم الأسارى والغنائم فحملت عليهم المسودة فقتلوا من اهل الكوفة قتلا ذريعا ووجدوا هرثمة على رأسه العبد السندي يحفظه فقتلوا العبد وأطلقوا هرثمة وعاد إلى معسكره فلم يزل الحرب بينهم مدة متراخية في كل يوم أو يومين يكون بينهم سجالا، ثم أن أبا السرايا بعث علي بن محمد بن جعفر المعروف بالبصري في خيل وأمره أن يأتي هرثمة من ورائه فمضى لوجههولم يشعر به هرثمة حتى قرب منه وحمل أبو السرايا عليه فغلق دهر هرثمة وأيقن بهلاكه وهلاك جيشه ولم يبق دون ذلك قليل ولا كثير وحمل أبو السرايا وقال لأهل (الكوفة): أحملوا، فصاح هرثمة يا أهل (الكوفة) اتقوا الله في دمائنا ودمائكم فإن كان قتالكم إيانا كراهة لامامنا فهذا منصور رضى لنا ولكم نبايعه وإن كراهتم إلا اخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكمواتفقوا معنا ليوم نتناظر فمن وجد له الحجة بايعناه جميعا ولا تقتلونا وانفسكم فأمسك اهل (الكوفة) عن الحملة وناداهم ابو السرايا ويحكم إن هذه حيلة من هؤلاء الأعاجم وليسوا بأهل دين وتحري الصلح لمة، وإنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم فامتنعوا وقالوا: لا يحل لنا قتلهم فقد اجابونا إلى كلمة الحق فانصرفوا وانصرف معهم ابو السرايا ونجا هرثمة كأنه لم ينجى بعد أحيط به، فلما كان يوم الجمعة خطب أبو السرايا أهل (الكوفة) فحمد الله وأثنا عليه وصلى على النبي -صلى اله عليه وآله- ثم قال: يا أهل (الكوفة) يا قتلة علي ويا خذلة الحسين إن المعتز بكم لمغرور وإن المعتمد على نصركم لمخذول وغن الذليل لمن أعززتموه ووالله ما حمد على أمركم فنحمده ولا رضية فنرضى بها ولقد حكمكم فحكمتم عليه وايتنكم فخنتم أمانتكم ووثق بكم فحلتم عن ثقته، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين ولطاعته ناكثين إن قام قعدتم وإن قعد قمتم وإن تأخر تقدمتم وإن تقدم تأخرتم خلافا عليه وعصينا لأمره حتى سبقت فيكم دعوته وخذلكم الله لخذلانكم إياه أي عذر لكم في تخلية عوكم والهرب عنه والنكول عمن لقيتم وقد عبروا خندقكم وعلوا قبايلكم ينهبون أموالكم ويجتاحون حرمكم هيهات لا عذر إلا العجز والمهابة والرضى بالصغار والذلة إنما أنتم كفي الضل تهزمكم الطبول بأصواتها وتملأ قلوبكم الحرق بسوادها أما والله لأستبدلن بكم قوما يعرفون الله حق معرفته ويحفظون محمدا في عترته، ثم قال:

مارست أقطار البلاد فلم أجد لكم

خلافا وجهلا وانتشار عزيمة

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة

سأبعد داري عن قلا من دياركم

?

?

شبها فيما وطئت من الأرض

ووهنا وعجزا في الشدائد والخفض

فلا عنكم راض ولا فيكم مرضي

فذوقوا إذا وليت عاقبة النق

فقامت إليه طائفة من وجوه اهل(الكوفة) فقالوا: ما أنصفتنا في قولك ما أقدمت فاحجمنا ولا كررت ففررنا ولا وفيت وغدرنا ولقد ثبتنا تحت راية أهل نبينا تحت لوائك حتى افنتنا الوقائع واجتاحتنا السيوف وما بعد فعلنا غاية الموت فامدد يدك نبايعك علىالموت فوالله لا نرجع أو يفتح الله علينا أو يصي قضاه فينا فاعرض عنهم ونادى في الناس بالخروج لحفر الخندق فحفروا وحفر معاهم أبو السرايا عامة النهار فلما كان الليل عبا أبو السرايا أثقاله ونهض في الطالبيين والأولياء والأعوان ولزم أهل الكوفة بلدهم ومنازلهم على خوف شديدن وكان ذلك ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم فدخلها المنصور بن المهدي وأمن الناس عموما وخطبهم وتألفهم، وكان هرثمة بجيشه خارج اليلد مخافة مكيدة، ومضى أبو السرايا يريد (البصرة) فلقيه أعرابي من أهل البلد فاعلمه غلبة السلطان عليه وأن المسودة في خلق كثير لايمكنه مقاومتهم فعدل عنها وأراد المضي نحو واسط فأعلمه الرجل أن صورة اهلها مثل ما ذكره الرجل عن (البصرة) فقال له: فأين ترى؟

صفحہ 414