Al-Sunnah wa Makanatuha fi al-Tashree' by Abdul-Halim Mahmood
السنة ومكانتها من التشريع لعبد الحليم محمود
اصناف
السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
تأليف الدكتور عبد الحليم محمود
منشورات المكتبة العصرية: صيدا - بيروت.
عدد الأجزاء: ١.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
1 / 1
السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي
تأليف الدكتور عبد الحليم محمود
منشورات المكتبة العصرَيَّةَ: صيدا - بيروت.
1 / 2
من مراجع الكتاب:
١ - " صحيح البخاري ".
٢ - " صحيح مسلم ".
٣ - " سيرة ابن هشام ".
٤ - " رياض الصالحين ".
٥ - " الأنوار المحمدية " للنبهاني.
٦ - " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للمرحوم الأستاذ مصطفى السباعي.
٧ - " السنة قبل التدوين " للأستاذ محمد عجاج الخطيب.
٨ - " الرسالة " للإمام الشافعي.
٩ - " رجال الفكر والدعوة " لأبي الحسن الندوي.
١٠ - " الرسالة المحمدية " للسيد سليمان الندوي.
١١ - " الحديث والمحدثون " للشيخ محمد أبو زهو.
1 / 3
مُقَدِّمَةٌ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١). ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
ويقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣).
وفي حديث صحيح يقول المقدام بن معدي كرب: «حَرَّمَ النبي ﷺ أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي وغيره، فقال رسول الله ﷺ: يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِى فَيَقُولُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وبعد:
فيحب القراء عادة أن يعرفوا شيئًا عن ظروف تأليف الكتب التي يقرءونها، لأنَّ ذلك يضعهم في جو يمهد لهم
_________
(١) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٢) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٣) [سورة النساء، الآية: ٦٥].
1 / 5
تقدير الكتاب في صورة أعمق: حيث عرفوا الظروف والملابسات، ولأن ذلك يقرِّبُهُم من جو الكاتب النفسي، ويدخلهم، نوعًا ما، في محيطه الخاص، فتكون بينهم وبينه - على البعد - بعض أسباب الألفة. ومن أجل توضيح ذلك أكتب هذه المقدمة:
إنَّ السُنَّة: دعوة بالحسنى إلى الرقي الأخلاقي الذي تجري وراءه الإنسانية المهذبة، إنها دعوة إلى التاجر أنْ يكون صادقًا، فيحشر مع النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشهداء، وإلى العامل أنْ يتقن عمله، لأنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.
وإلى الصانع أن يؤدي العمل كما يجب، حيث أخذ الأجر، ومن أخذ الأجر حاسبه الله على العمل.
وهي دعوة إلى الأب، باعتباره أبًا، وإلى الأم في وضعها كأم، وإلى الأخ في مهمته كأخ، وإلى غيرهم من أفراد المجتمع: أن يرعى كل منهم ما وكل إليه من أمر رعيته وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
وهي دعوة للناس إلى الأمانة، حيث أنه لا إيمان لمن لا أمانة له.
وإلى الصديق، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا.
وإلى الرحمة: الرحمة العامة الشاملة، وصلوات الله وسلامه على من قال:
1 / 6
«إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ».
ومن قال: «ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ».
وخذ أي خلق كريم تتمنى أن يسير عليه المجتمع: فستجد في السُنَّة دعوة إليه، بوسيلة أو بأخرى، وبثالثة.
وهي في هذه الدعوة تنبه دائمًا إلى دور الأمَّة الإسلامية في الأخلاق العالمية: أنَّ دورها: إنما هو الرائدة الراعية وعلى الرائد دائمًا أن يكون المثل الأعلى، والأسوة الكريمة، والقدوة الصالحة.
ولقد كان رسول الله ﷺ: الصورة الحية الناطقة التي طبقت كمبادئ إنسانية ممكنة الخلق الذي رسمه الله وأحبه للإنسانية جمعاء، والذي عبرت عنه السُنَّة أجمل تعبير وأبلغه.
ومن أجل هذا التقدير الكريم للسنة الشريفة كان العلماء المستنيرون في كل عصر: يجاهدون من أجلها، ومن أجل مكارم الأخلاق التي تعبر عنها، وكان هؤلاء العلماء - علماء السُنَّة - يعرفون بسيماهم: فقد كانوا من الزهد في حطام الدنيا: بحيث لا ينازعون الناس في دنياهم: لقد كانوا مشغولين عن الجاه بغرس الخلق الصالح الكريم، وكانوا مشغولين عن السلطان بمن بيده السلطان يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء: مالك الملك ذي الجلال والإكرام.
1 / 7
وكانوا صادقين، لقد كان الصدق دينهم وفطرتهم. وكانوا صابرين على الحياة، وصابرين على العمل: لقد أقاموا نهارهم، وأسهروا ليلهم عملًا على مرضاة الله ورسوله ﷺ.
والمثل الذي نحب أنْ نسُوقه - كصورة لهؤلاء القوم - هو: الإمام أحمد بن حنبل ﵁، أنه المُحَدِّثُ الذي حاول أنْ يكون صورة صادقة لما كان عليه الرسول ﷺ، في الزاوية الأخلاقية.
وسيرة الإمام - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ -: مَثَلٌ أعلى في التمسك بما يراه حقًا، وفي الصبر على ما يناله في سبيل التمسك بالحق.
على أنَّ كل من تشبع بالسُنَّة حقًا: إنما هو صورة، قريبة بقدر المستطاع، من الإمام أحمد.
لقد كان الإمام البخاري وغيره ممن أشربت نفوسهم حُبَّ السُنَّة: أمثلة كريمة للخلق الكريم.
والأمثلة الكريمة للخلق الكريم هدف دائمًا لسهام النماذج الأثيمة التي استهواها الشيطان في قليل أو كثير: إنه النزاع الدائم بين الفضيلة واصحابها، وبين المُمَثِّلين لنزعات الهوى والضلال.
ولولا وجود هذه المثل العليا لمكارم الأخلاق في كل عصر لفقدت الإنسانية الثقة بنفسها، ولما اطمأن إنسان لإنسان، ولما وثق شخص آخر.
1 / 8
لقد ربت السُنَّة رجالًا، وخصائصها التي ربت بها الرجال موجودة فيها، لأنها من طبيعتها ومن ذاتها. ولقد شاهدت الإنسانية واعترفت بسمو هؤلاء الرجال، وأولتهم ثقتها وتقديرها.
إنَّ الإمام أحمد بن حنبل، وإنَّ الإمام البخاري، وإنَّ أمير المؤمنين في الحديث: الإمام سفيان الثوري، وأمثال هؤلاء ﵃: منارات يَهتَدِي بهم عشاق المثل العليا.
لا بد إذن من العمل على نشر السُنَّة وإذاعتها، ومحاولة الإكثار من النفوس التي تتشربها وتحققها وتتمثلها وتحياها.
لا بد من نشرها وطنية.
ولا بد من نشرها إنسانية، لأنها تعبِّرُ عن أرقى مستوى إنساني.
ولا بد من نشرها دينًا.
ولا بد من نشرها ذوقًا أدبيًا.
ولا بد من نشرها للثروة اللغوية ..
وما من شك في أنَّ للسُنَّة جوًا فكريًا: فالرسول ﷺ: يتحدَّثُ عن عوامل الهدم، التي تعمل على تقويضه، وعن عوامل البناء التي تعمل على إقامته على قواعد سليمة، ويتحدَّثُ عن
1 / 9
النظم التي ينبغي أنْ تسود المجتمع الإنساني، وعن الأوضاع التي يجب أنْ تستقيم.
وللسُنَّة جو لغوي: فالرسول ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وكلامه ﷺ أبلغ الكلام البشري، ونشر السُنَّة عامل من أهل العوامل على ترقية اللغة التي يكتب بها الكتاب، وعلى وضع الناشئين والمُثقَّفين في وضع أدبي ممتاز، من حيث اللغة، ومن حيث الأسلوب.
وَلِلْسُنَّةِ جَوٌّ رُوحِيٌّ: إنها تهذيب للنفس، وتربية للروح وسمو بالأخلاق إلى درجة لا تجارى، - وصَلَّى اللهُ على من قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
ورحم الله شوقي إذ يقول:
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ * ... * ... * فَإِنْ [هُمُ] ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا
ومن أجلِ ذلك كله كان نشر السُنَّةِ واجبًا دينيًا، وعملًا اجتماعيًا كريمًا، وواجبًا وطنيًا حتميًا، وإصلاحًا أخلاقيًا ساميًا.
وهو على كل حال ضرورة وطنية مُلِحَّةٌ في عصر تحاول الرذيلة فيه أنْ تعمِّم الانحلال الخلقي في كل أسرة وفي كل بيت، ويحاول الفساد أنْ يأتي على مقدسات الأُمَّة ومقوماتها من عرض وشرف وكرامة.
1 / 10
لقد أحب الله للإنسانية مثالًا أخلاقيًا كريمًا رسمه سبحانه في القرآن الكريم قولًا، فكان رسول الله ﷺ الصورة التطبيقية الكاملة للرسم الإلهي، وكان بذلك الإنسان الكامل.
لقد كان المثل الأعلى في الرحمة، والمثل الأعلى في الكفاح والمثل الأعلى في الصبر المجاهد المتفائل، والمثل الأعلى في الصدق، في الإخلاص، في الوفاء، في البر، في الكرم.
لقد وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
ولا ريب في أنَّ الأُمَّة الإسلامية حينما تقتدي بالرسول ﷺ: إنما تقتدي بأعظم البشر رجولة وإنسانية.
وتقتدي بمن أحب الله سبحانه أن تقتدي به.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).
وإنَّ العمل على نشر السُنَّة إنما هو توجيه للاقتداء بالرسول ﷺ.
واللهَ أرجو أنْ يجعله عام النفع.
وأنْ يهدي به.
وأنْ يجعله ذخيرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم.
_________
(١) [سورة القلم، الآية: ٤].
(٢) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].
1 / 11
الفَصْلُ الأَوَّلُ: الرَّسُولُ ﷺ وَسُنَّتُهُ الشَّرِيفَةُ:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢).
خاتم الأنبياء:
يقول الله تعالى لرسوله الكريم ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣)، وما كانت هذه الرسالة العامة لأحد من الرسل من قبله، فموسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أرسل لبني إسرائيل خاصة، لقد اقتصرت دعوته على بني إسرائيل، لدرجة أنه حينما ذهب هو وهارون، - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ -، إلى فرعون، قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولًا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤).
فموسى ذهب إلى فرعون ليرسل معه بني إسرائيل. ولم يكافح سيدنا موسى الشعوب، أو الأمم في سبيل دعوته.
وعيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، إنما أرسل إلى .. «خراف بني إسرائيل الضالة»، على حد تعبيرهم القديم، ولم
_________
(١) [سورة الكهف، الآية: ١٠].
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ٨].
(٣) [سورة سبأ، الآية: ٢٨].
(٤) [سورة طه، الآية: ٤٧].
1 / 13
يحاول سيدنا عيسى أن يُبشِّر بدعوته خارج فلسطين، ولم يحاول أنْ يجاهد من أجلها.
أما رسول الله ﷺ، فإنه أرسل إلى الناس جميعًا، أنه أرسل إلى الناس جميعًا من حيث المكان، وأرسل إليهم جميعًا من حيث الزمان، فهو الرسول الدائم زمانًا ومكانًا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
وقد تكفل الله تعالى بحفظ الكتاب الذي أنزله على رسوله، ﷺ ضمانًا لهذا العموم في الزمان وفي المكان، وتحقيقًا له.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
ومن أجل هذا الوعد بحفظ الوحي كاملًا غير منقوص، صحيحًا غير مزيف، كانت الحكمة الإلهية في أنَّ الإنسانية لا تحتاج إلى رسول بعد الرسول، ولا إلى نبي بعد النبي، إنه - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: خاتم الرسل، وخاتم الأنبياء.
ولقد امتزج رسول الله ﷺ، برسالته الخالدة، فكان هو هي شرحًا وتفصيلًا.
وكانت هي هو بيانًا لمعدنه وجوهره، وخلافة له، ونيابة عنه.
تقول السيدة عائشة ﵂: «لَقَدْ كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ» وهذه الكلمة من السيدة عائشة، - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - تحتاج إلى تحديد وبيان. ذلك أنَّ القرآن يُحَدِّدُ
_________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨].
(٢) [سورة الحجر، الآية: ٩].
1 / 14
الخلق الكريم في حده الأدنى، ثم لا يقتصر على ذلك، إنما يرسم القمم من مكارم الأخلاق، ويوجِّهُ إلى السنام منها، ويقود إلى المشارف العليا من درجات المقرَّبين.
فهل تريد السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، حينما تصفه ﷺ بِأَنَّ خُلُقُهُ القُرْآنُ: هل تريد الخلق الكريم في حده الأدنى، أم تريد في حده الأوسط، أم تريده في حده الأسمى؟
إنَّ القرآن الكريم يُحَدِّدُ الدرجة التي وصل إليها الرسول ﷺ من الخُلُق القرآني فيقول سبحانه لرسول الله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
هذه الآية القرآنية الكريمة تُحَدِّدُ درجة الأخلاق القرآنية التي وصل إليها الرسول ﷺ، أنها ذروتها وسنامها.
أول المسلمين
ولقد قال - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
إنه ﷺ، بعث لِيُتَمِّمَ المكارم الأخلاقية لِيُتَمِّمَهَا بذاته، بسلوكه، وَلِيُتَمِّمَهَا بقوله: برسالته.
إنه لم يبعث لينشر الأخلاق الكريمة فحسب، وإنما بعث ليتمم مكارمها.
ومكارم الأخلاق لم تكن - قبل الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - قد تمت. إنَّ أول المسلمين لم يكن قد
_________
(١) [سورة القلم، الآية: ٤].
1 / 15
وجد بعد، وكانت بذلك مكارم الأخلاق ناقصة، كان ينقصها أكمل صفة لمكارم الأخلاق وهي إسلام الوجه لله إسلامًا تامًا. إنَّ الكائنات لم تكن قد وصلت - لا في نبي مرسل، ولا في ملك مقرب - إلى الذروة من إسلام الوجه لله، والذروة من إسلام الوجه لله، أو أول المسلمين - والتعبيران سواء - إنما هو الذروة من مكارم الأخلاق.
إنه الكائن الرباني: إنه أول المسلمين، أولهم بإطلاق، أولهم بالنسبة للملائكة، وأولهم بالنسبة لبني آدم، أولهم قديمًا، وأولهم إلى الأبد .. إنَّ أول المسلمين لم يكن قد وجد بعد.
وكانت الإنسانية بذلك ناقصة، وكانت الكائنات كلها بذلك ناقصة.
كان الكون ناقصًا مادة ومعنى، كان ينقصه أنْ تتعطَّر أرضه بأزكى الأجساد، وأنْ يتعطَّرَ جوه بأزكى الأرواح، وكان لا بد من وجود كائن بهذه المثابة يكمل الله به الدين، ويتمُّ به النعمة، ويرضى رسالته دينًا عامًا خالدًا للإنسانية جمعاء: هو إسلام الوجه لله.
وينزل القرآن مُحدِّدًا إسلام الوجه لله وسائل، ومُحدِّدًا إسلام الوجه لله غايات، مُحدِّدًا إسلام الوجه طرقًا وأساليب، ومُحدِّدًا له بواعث وأهدافًا. ومن هنا كان من يبتغي غير الإسلام دينًا لا يقبل منه. يقول الله تعالى:
1 / 16
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١).
وكيف يقبل منه ما يتنافى مع إسلام الوجه لله؟
إنَّ إسلام الوجه لله هو الذروة من مكارم الأخلاق، وهو جوهر التدين، إنه الدين القويم، إنه الدين الخالد. والنص الوحيد، النص الإلهي الفريد في العالم كله الذي يُبيِّنُ كيفية إسلام الوجه لله، إنما هو القرآن. وإذا ما وصل الإنسان إلى إسلام الوجه كان بذلك في ذروة الإنسانية. وفي الذروة من مكارم الأخلاق.
ويتفاوت الناس في إسلام وجوههم لله، ولا بد من أنْ يكون أحدهم أول المسلمين، فكان رسول الله ﷺ، أولهم بإطلاق مطلق.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
ولم يصف القرآن بأول المسلمين شخصًا آخر غير الرسول ﷺ.
ومكارم الأخلاق لا يَحُدُّهَا - من حيث التبشير بها - مكان ولا يَحُدُّهَا زمان، بل ولا يَحُدُّهَا عالم من عوالم الله في الأرض أو السماء، ومن ذلك كانت رسالته، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ -، رحمة للعالمين.
_________
(١) [سورة آل عمران، الآية: ٨٥].
(٢) [سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢، ١٦٣].
1 / 17
من مكانة الرسول ﷺ عند ربه:
ورسول الله ﷺ لأنه يمثِّل الأخلاق القرآنية في ذروتها وسِنامها - جعل الله ﷾، له مكانة خاصة بين المسلمين، فهو، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - لأنه تمثَّل القرآن وحقَّقه، وأصبح قرآنًا، أصبح بذلك يمثِّل الحق بقوله، ويمثِّل الحق بعمله، فلا ينطق عن الهوى، ولا يعمل بالهوى.
ويقول الله ﵎ له، مُعبِّرًا عن هذه الحقيقة أروع تعبير:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ ...﴾ (١).
ويقول تعالى لرسوله ﷺ:
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا ...﴾ (٢).
بل إنَّ طريق الدعوة نفسه، كان، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، يسير فيه معصومًا، وكل من يسير في الدعوة على نسقه، إنما يسير بعصمة الرسول، ﷺ، التي منحها الله إياه:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣).
ودعوته إذن وطريق دعوته: يسير فيهما على هُدى،
_________
(١) [سورة الشورى، الآيتان: ٥٢، ٥٣].
(٢) [سورة الأنعام، الآية: ١٦١].
(٣) [سورة يوسف، الآية: ١٠٨].
1 / 18
وعلى نور من ربه، ولذلك فإنَّ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١).
فيقول، سبحانه:
ويُعَمِّمُ الله، سبحانه، الحكم تعميمًا، ويطلقه إطلاقًا، فيقول سبحانه:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣).
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ...﴾ (٤).
إنَّ حب العبد لله لا يفيد ما لم يتَّخذ العبد الوسيلة الناجعة لذلك، وهذه الوسيلة هي: اتِّباع رسول الله ﷺ.
ولقد قال الله ﷾ في حديث قُدْسيٍّ، رواهُ الإمام البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
وهذه النوافل التي ذكرت في الحديث الشريف، والتي إذا أكثر الإنسان منها، بعد أداء الفرائض، أحبه الله: إنما هي سلوك رسول الله ﷺ، إنها طريق رسمه، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - بقوله وبعمله. إنها
_________
(١) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٢) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٣) [سورة النور، الآية: ٥٤].
(٤) [سورة آل عمران، الآية: ٣١].
1 / 19
سننه - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - التي سنَّها، لينال الإنسان بها محبَّةَ الله، سبحانه.
(من مكانة رسول الله ﷺ عند ربه أيضًا:)
وأحب الله، سبحانه، رسوله، ﷺ وكان هذا الرسول بعبوديته لله سبحانه، حبيب الله وبلغ الرسول، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - بعُبوديته التامة درجة أول المسلمين، كما سبق أنْ ذكرنا.
ولما كان أول المسلمين. وكان حبيب الله، ونبيُّهُ، ورسوله: ميَّزهُ الله، ﷾ على بقية البشر بكونه خيرهم، وهذا تمييز لا يخرجه، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ - عن البشرَيَّةَ: فهو بشر وهو خير البشر: ومنتهى القول فيه أنه بشر، وأنه خير خلق الله كلهم، ولأنه خير البشر: يقول الله تعالى مُخاطبًا المؤمنين: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١).
إنَّ الإنسان الذي خصَّهُ الله بالوحي، واجتباه لرسالته، واصطفاه ليكون - باسمه، سبحانه - بشيرًا ونذيرًا، إنّض هذا الإنسان الذي فضَّلهُ الله على العالمين: يجب أنْ نعرف له مكانته وننزله في الشرف الذي أنزله الله فيه. إنَّ هذا السراج المنير، إنَّ هذا الرؤوف الرحيم: ينبغي ألاَّ يدعى كما يدعى زيد وعمرو: «بمعنى لا تنادوه باسمه:
_________
(١) [سورة النور، الآية: ٦٣].
1 / 20
فتقولوا: يا محمد، ولا بكنيته فتقولوا: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم، والتوقير بأنْ تقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، يا إمام المرسلين، يا رسول رب العالمين، يا خاتم النبيِّين وغير ذلك ...
واستفيد من هذه الآية - كما يقول الشيخ الصاوي في " حاشيته على تفسير الجلالين " - إنه لا يجوز نداء النبي بغير ما يفيد التعظيم، لا في حياته، ولا بعد وفاته، فبهذا يعلم أنَّ من استخف بجنابه ﷺ: فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة» اهـ.
ويقول الله سبحانه في أوائل سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). أي لا تتقدموا بأمر من الأمور، قولًا كان أو فعلًا، إلاَّ إذا أذن الله ورسوله، وكل أمر: قولًا كان أو فعلًا: أتاه الإنسان بدون إذن الله ورسوله: فإنه لا يقع على السُنن المستقيم.
يقول الضحاك عن ذلك: «هو عام في القتال وشرائع الدين، أي لا تقطعوا أمرًا دون الله ورسوله» ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (٣).
واحذروا إنْ فعلتم ذلك: ﴿نْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ (٤).
_________
(١) و(٢) [الحجرات: ١].
(٣) و(٤) [الحجرات: ٢].
1 / 21
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
أما هؤلاء الذين أساءوا الأدب دون أنْ يقصدوا فأخذوا ينادونك من وراء الحجرات مناداة الأعراب الأجلاف، فإنَّ عقولهم - في الأغلب الأعم - ناقصة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
على أنَّ مُجَرَّد الرغبة في الحديث، إلى رسول الله ﷺ، يحتاج تنفيذها إلى تقديم صدقة، يقول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
وتدل الآية الكريمة على أنَّ ترك تقديم الصدقة إثم، لأنَّ من لم يجد الصدقة فإنَّ موقف الله سبحانه منه - لعدم قدرته - المغفرة والرحمة، ولا تكون المغفرة والرحمة إلاَّ على إثم أتاه الإنسان.
وعدم توفر الاستطاعة سبب في مغفرة الله سبحانه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (٤).
وإذا حملكم خوف الفقر على ألاَّ تفعلوا، وإذا قادكم الضعف الإنساني إلى ألاَّ تنفذوا ذلك، ثم ندمتم واستغفروا
_________
(١) [الحجرات: ٣].
(٢) [الحجرات: ٤، ٥].
(٣) [المجادلة: ١٢].
(٤) [المجادلة: ١٣].
1 / 22