Al-Qisas Al-Qurani - Yasser Burhami
القصص القرآني - ياسر برهامي
اصناف
إعراض قوم لوط عن النساء
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]، فحاول أن ينصحهم: «قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي»، يدعوهم إلى بناته بأن يزوجهن لهم، وهذا أصح الأقوال في هذه الآية، وهو أنه: يدعوهم إلى أن يتوبوا إلى الله ويتزوجوا بناته، وقال بعض أهل العلم: المقصود بالبنات: نساؤهم؛ فإن النبي أب لقومه، وهذا غير ظاهر من الآية، بل الذي يظهر أنه عرض بناته، ولكن لا لنيل الفاحشة كما قد يتبادر، فإن الزنا ليس بطهر، ولا يجوز أن يقدم عرضه ليدفع عن أضيافه، فهذا مستحيل، والنبي لا يقبل الدياثة أبدًا، والديوث هو: من يقر الفحش في أهله، وهذا لا يدخل الجنة كما أخبر النبي ﷺ، ولكن الذي يظهر أنه عرض بناته للتزويج، وذلك أنهم إذا تابوا إلى الله زوجهم بناته.
وأما القول بأن النبي أب لقومه فهو أب للمؤمنين والمؤمنات، وذلك أن هذه الأبوة معنوية للقلوب؛ لأنه ببعثته ودعوته ولدت قلوبهم من ظلمات الجهل والكفر والظلم وخرجت إلى نور الإيمان والعلم والعدل، فولادة القلوب حق، وبها يكون النبي أبًا للمؤمنين، كما قال الله ﷿ عن النبي ﷺ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وفي مصحف أبي: (وهو أب لهم).
وكما قال النبي ﵊: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)؛ لأن به تفتحت قلوبهم وعقولهم على نور الحق والإيمان، وكانت قبل ذلك في الظلمات، والقلب يولد، كما ورد عن المسيح أنه قال لأتباعه: إنكم لن تجدوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين.
وكثير من الناس لا يدري شيئًا عن هذه الولادة، ويظن أن الولادة فقط ولادة الأمهات، ونحن نقول: إن هذا لمن آمن، أما الذي لم يولد قلبه فالنبي ليس أبًا له، وقوله تعالى: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» إنما هي فرع، فأمهات المؤمنين فرع عن أبوة النبي ﷺ للمؤمنين، وليست لكل الأمة، هذا هو الصحيح؛ ولذا نقول: إن قوله تعالى عن لوط: «قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ»، معناه، أنه كان يدعوهم إلى التزوج من بناته، وأطهر هنا ليست على بابها في أفعل التفضيل، فكثيرًا ما تستعمل صيغة (أفعل) وليس بين المفضل والمفضل عليه اشتراك، وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، والدنيا لا بقاء لها، ولا خير فيمن طلبها دون الآخرة، وذكر أهل اللغة أمثلة على ذلك من اللغة، مثل قولهم: الثلج أبرد من النار، والنار ليس فيها برد، ولكنهم يقصدون: أن الثلج هو البارد والنار ليس فيها برودة، ونحو ذلك.
وقوله: «هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» أي: مما تريدون، والطهر هنا: طهر بفعل ما شرع الله ﷿، وترك الفواحش التي هي نجس، وإرادة نيل الفاحشة تدل على نجاسة القلب والعياذ بالله.
قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]، أي: أنه خاف أن يخزوه في ضيفه بفعل الفاحشة فيهم، وقوله تعالى: «أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ» استفهام غرضه الإنكار، أي: ليس منهم رجل واحد رشيد يقبل الرشد ويرضى به، فليس عندهم إلا السفه، والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩] أي: من رغبة، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]، أي: ما نريد إلا الرجال.
2 / 10