العصا

العصا

ایڈیٹر

عبد السلام هارون

ناشر

شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر

ایڈیشن

الثانية

اشاعت کا سال

١٣٩٣ هـ - ١٩٧٢ م

علاقے
شام
•
سلطنتیں اور عہد
ایوبی
كتاب العصا (^١) لأبي المظفر أسامة بن منقذ ٤٨٨ - ٥٨٤

(^١) عثرت قريبا على مخطوط لكتاب العصا محفوظ بمكتبة خدابخش بتنة، ومنه نسخة مصورة بمعهد إحياء المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، أرشدنى إليها الأخ الأستاذ رشاد عبد المطلب. وهذه النسخة تدل بصفة قاطعة على أن نسختنا هذه ما هي إلا مختصر متواضع لكتاب العصا.
وقد أجريت في هذه الطبعة الثانية مقابلة على هذا المخطوط في هذه المواضع المختارة، مشيرا إلى المخطوط بالرمز (خ). وعسى أن أوفق إلى نشر هذا المخطوط مستقلا بعد دراسته وتحقيقه بعون اللّه.

1 / 175

مقدمة
أسامة بن منقذ (^١):
في قلعة شيزر، على بعد خمسة عشر ميلا من الشمال الغربى لحماة، ولد الأمير أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكلبي الشيزرى، الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، وذلك في يوم الأحد ٢٨ من جمادى الآخرة سنة ٤٨٨، وهذا العام هو الذي ألقى فيه البابا (أوربانوس الثاني) خطابه محرضا المسيحيين على انتزاع بيت المقدس من أيدي المسلمين. وعاش أسامة حياته الطويلة المعمرة معاصرا للحروب الصليبية إلى أن نال صلاح الدين الأيوبي انتصاراته الفاصلة في تلك الحروب، ثم قضى أسامة نحبه في ليلة الثلاثاء ٢٣ من رمضان سنة ٥٨٤.
نشأ أسامة في كنف أبويه وعمه وجدته في أسرة جل رحالها فرسان محاربون فشب على الفروسية والجرأة النادرة وممارسة الصيد، وملاقاة الأسود، وعنى أبوه بتثقيفه، فكان يحضر له كبار الشيوخ يقبس هو وإخوته منهم العلم، فكان شيخه في الحديث أبا الحسن علي بن سالم السنبسى، وفي الأدب أبا عبد اللّه محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة، كما قرأ النحو عشر سنين على سيبويه زمانه أبى عبد اللّه الطليطلى النحوي. وسمع منه الحافظ أبو سعد السمعاني صاحب كتاب الأنساب (٥٠٦ - ٥٦٢) والحافظ ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) والعماد الأصبهاني (٥١٩ - ٥٩٧) والحافظ عبد الغنى المقدسي (٥٤١ - ٦٠٠).
وخرج أسامة من شيزر سنة ٥٣٢ فأقام بدمشق نحوا من ثماني سنين في رعاية صديقه معين الدين أنر، وزير شهاب الدين محمود، حتى نبت به دمشق

(^١) ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق والسمعاني في الأنساب في رسم (الشيزرى) وابن خلكان في الوفيات، وأبو شامة في الروضتين، وابن الأثير، وصاحب النجوم الزاهرة والذهبي في تاريخ الإسلام، وياقوت في إرشاد الأريب، والعماد الأصبهاني في الخريدة، كما ترجم هو لنفسه في كتاب الاعتبار. وانظر دائرة المعارف الإسلامية، ومقدمة الأستاذ الكبير الشيخ أحمد شاكر للباب الآداب، والدكتور فيليب حتى لكتاب الاعتبار. وقد اختصه صديقنا الأستاذ محمد حسين مراقب الفهارس بدار الكتب المصرية بدراسة شاملة تعد أوسع وأغزر ما كتب في أسامة.

1 / 176

فسار إلى مصر فدخلها يوم الحميس في الثاني من جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ فلقى فيها إكراما من الخليفة الفاطمي الحافظ لدين اللّه عبد المجيد بن المنتصر العلوي. ثم ولى الخلافة ابنه الأصغر الظافر بأمر اللّه أبو منصور إسماعيل من سنة ٥٤٤ - ٥٤٩ وكان وزيره علي بن السلار الملقب بالملك العادل. وهذا أرسل أسامة في سفارة حربية سياسية إلى الملك العادل نور الدين بن زنكى.
وبعد حروب ووقائع استدعاه علي بن السلار إلى مصر فمكث بها إلى سنة ٥٤٩، ثم غادرها مكرها بعد اغتيال الخليفة الفاطمي الظافر الذي حدثت في عهد خلافته أحداث وفتن قتل في أثنائها الخليفة ووزيره، وذهب المؤرخون أن لأسامة يدا في قتلهما. وأما أسامة فإنه يحاول تبرئة نفسه من ذلك (^١).
ورجع أسامة من مصر إلى دمشق فأقام بها ردحا من الزمن، ثم رحل بأهله وولده إلى حصن كيفا وأقام بها إلى أن استولى صلاح الدين الأيوبي على دمشق سنة ٥٧٠. وكان لأسامة ولد يدعى «أبا الفوارس مرهف بن أسامة» وكان ذا منزلة عالية عند صلاح الدين، فظل يصنع لأبيه عند السلطان حتى استدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد تخطى الثمانين، فحاز إعجاب صلاح الدين وتقديره وجعله من خاصته بمنزلة المؤامر المستشار. وظل أسامة في دمشق حتى وافته منيته.
مؤلفاته:
ألف أسامة في ضروب شتى من العلم، وأشهر كتبه كتاب (الاعتبار) ألفه وهو ابن تسعين، وقد نشر مرتين إحداهما بتحقيق درنبورغ، والأخرى بتحقيق الدكتور فيليب حتى. وكتاب (لباب الآداب) ألفه وهو ابن إحدى وتسعين، وأول ناشر له هو الصديق الجليل الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر. و(البديع) في نقد الشعر. و(الشيب والشباب) عارض به الشريف المرتضى، قال فيه أسامة:
«فمن وقف عليه من الفضلاء عرف ما بينه وبين كتاب الشهاب في ذكر الشيب والشباب تأليف المرتضى رضى اللّه عنه، وعلم أن الفضل للمقدم في البيان لا في التقدم

(^١) الاعتبار ٦ - ٢٩.

1 / 177

في الزمان (^١)». و(ديوان أسامة) وقد صنعه بنفسه كما نص في كتاب العصا.
ومنه نسخة قديمة تاريخ كتابتها سنة ٦٨٨ دخلت في خزانة دار الكتب المصرية في ديسمبر سنة ١٩٤٧ برقم ١٦٨٧٧ ز، وصورت منها صورتان شمسيتان اعتمدت على إحداهما في معارضة شعر أسامة.
كتاب العصا:
على أن الذي يعنينا الآن من مؤلفات أسامة هو كتاب العصا. وليس هذا العنوان من ابتداع أسامة، فإنه يذكر لنا في مقدمة كتابه هذا، الباعث له على هذا التأليف، وهو قصة قصها عليه والده جاء فيها على لسان أبى يوسف القزويني مخاطبا أبا الحسن بن بوين حين أمسك من كتبه كتابا يسمى «العصا» لمؤلف ضاع اسمه. «ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها». قال أسامة (^٢): «ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه. وكلما تعذر وجوده ازددت حرصًا على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا، ولا أدرى أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره … ولا أرتاب أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تنميقه وتأليفه، وأنا فاتنى مطلوب ففزعت إلى تجويزه وتلفيقه». ويدور في خلدى أن ذلك الكتاب الذي ظل أسامة يبحث عنه دهرا إنما هو «كتاب العصا» للجاحظ، وهو من مشتملات كتاب البيان والتبيين وأن أسامة إنما التبس عليه الأمر فظن ذلك الكتاب الذي دار حوله الحديث كتابا مستقلا لمؤلف آخر غير الجاحظ، على حين عرف هو كتاب العصا للجاحظ، وقرأه واقتبس منه كثيرا في كتابه هذا.
وهذا الكتاب الذي ضمنه الجاحظ الجزء الثالث من البيان والتبيين إنما كان محوره مزاعم الشعوبية الذين ذكروا في مثالب العرب أنهم يعتمدون في خطبهم على العصا ويتكئون على القوس، «وليس بين الكلام والعصا سبب»

(^١) لباب الآداب ٣٧٧.
(^٢) في مقدمته لكتاب العصا.

1 / 178

ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ … وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل أهل البدر، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل، وبه أشبه (^١)».
وقد انبرى الجاحظ لهم في إسهاب جميل معلنا مزية العصا ومحاسنها، فهو يسوق الأخبار والأشعار، ويزجى الأمثال واللغات، والبراهين والحجج على عظم شأن العصا وكريم فضلها، وشدة الحاجة إليها، وقيامها مقام سائر السلاح في القتال.
وقد نهج أسامة في صدر كتابه هذا منهجا مقاربا لمنهج الجاحظ، ولكن تآليف أسامة تأبى إلا أن تحمل طابع تأليفه، وهو العناية الظاهرة بسرد ما يعرض له في حياته من أحداث وما يتلقفه من أخبار، ولا سيما أخبار الصالحين والزهاد (^٢)، وكذا أخبار الإفرنج وإبداء رأيه في أخلاقهم وسياستهم.
وهو لا ينسى أن يوشع تأليفه هذا بعرض طائفة من أشعاره. كما صنع في كتابه الاعتبار، وكتاب لباب الآداب.
ومما هو بالذكر جدير أن كتاب العصا قد أدى إلينا من شعر أسامة ثروة لا يستهان بها، وهي تسعون بيتا زائدا على شعر ديوانه الذي سبقت الإشارة إليه، كما أدى إلينا نصا نادرا لأبى العلاء المعرى، هو نموذج من كتاب (القائف) الذي طوته أحداث الزمان.
نسخة كتاب العصا:
هذه النسخة هي إحدى نسخ ثلاث معروفة:
الأولى نسخة ليدن رقم ٣٧٠ وعليها تاريخ ١٠٩٤. ومن هذه النسخة نشر درنبورغ Derenbourg مقتطفات منها مع أخرى من ديوان أسامة بعنوان (
Anthologie de textes Arades inedits par Ousama et sur Ousama
) وذلك في باريس سنة ١٨٩٣.

(^١) البيان ٣: ١٢.
(^٢) انظر قصة جرار، وقصة حسن الزاهد.

1 / 179

والثانية نسخة الأمبروزيانا بميلان، ورقمها ١٢٥ وتاريخ نسخها سنة ١٠٦٧.
والثالثة نسختنا هذه، وربما كانت تمت بسبب إلى إحدى النسختين السابقتين فإنها مكتوبة بخط حديث في كراسة حديثة أكل الفأر بعض أطرافها.
وقد أمكنني عند التحقيق سد تلك الثغرات والإشارة إليها في مواضعها، وهي ثغرات قليلة (^١).
وهذه النسخة هي التي تفضل الأستاذ الكبير (الدكتور أحمد أمين بك) فأشار على أن أقوم بتحقيقها ونشرها، وثنى بإرسالها إلى في صحبة رسول كريم، فكان ذلك إسهاما كريما في (نوادر المخطوطات). فإليه أزجى أجل الشكر وصادق الثناء.
وبدا لي بعد ما استنسخت صورة من هذا الكتاب وعارضتها بالأصل أن أقترح على حضرته إهداء الأصل إلى دار الكتب المصرية في عهد مديرها الكاتب الكبير (الأستاذ توفيق بك الحكيم) صاحب (العصا)، فوافق هذا الاقتراح منه مناسبة أدبية موفقة. وقد حفظت هذه النسخة بدار الكتب برقم ٩٨١٣ ز.
العصا لا القضا:
وكان صديقي العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمته لكتاب (لباب الآداب) لأسامة قد أشار إلى كتاب العصا، واستظهر أن يكون صوابه «القضا» لا العصا، وبعد فترة من الزمن حين وقعت نسخة كتاب العصا إلى الأستاذ الكبير أحمد أمين بك كتب مقالا في مجلة الثقافة (^٢) يقطع الشك باليقين في تسمية هذا الكتاب، ويعين أن اسمه «العصا» لا القضا، وعرف بالكتاب تعريفا في مقاله هذا، وعرض طائفة من مشتملاته، وقد أخبرني - حفظه اللّه - في لقاء قريب، أن نسخته هذه وقعت إليه منذ نحو ثماني سنوات في أوراق وكتب اشتراها من مكتبة المرحوم (السيد محمد أمين الخانجي (^٣».
وإليك نص كتاب العصا:

(^١) أشير إلى ذلك بوضعه بين علامتي التكملة [].
(^٢) نشر أيضا في فيض الخاطر ٤: ١٤٣ - ١٤٧.
(^٣) هذا ما ذكره لي المغفور له الأستاذ أحمد أمين، وحين اطلع على هذا الأخ السيد محمد نجيب أمين الخانجي أخبرني أن شراء هذه المخطوطة كان منه لا من والده الذي توفى سنة ١٣٥٨ هـ.

1 / 180

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
وبعد فإن النفس ترتاح لما سمعت، وتلح في الطلب إذا منعت. وكان الوالد السعيد مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵁، حدثني أنه لما توجه إلى خدمة السلطان ملكشاه (^١) ﵀، وهو إذ ذاك بأصفهان قصد القاضي الإمام الصدر العالم أبا يوسف القزويني ﵀، عائدًا ومسلمًا، بمعرفة قديمة كانت بينهما، ويد كانت عنده للجد سديد الملك ذي المناقب أبي الحسن علي بن مقلد ﵀. وذاك أن القاضي المذكور سافر إلى مصر في أيام الحاكم صاحب مصر، فأحسن إليه وأكرمه ووصله بصلات سنية، فاستعفى منها وسأله أن يجعل صلته كتبًا يقترحها من خزانة الكتب، فأجابه إلى ذلك، فدخل الخزانة واختار منها ما أراده من الكتب، ثم ركب في مركب وتلك الكتب معه، يريد بلاد الإسلام التي في الساحل، فتغير عليه الهواء فرمى بالمركب إلى مدينة اللاذقية وفيها الروم، فبعل بأمره (^٢) وخاف على نفسه وعلى ما معه من الكتب، فكتب إلى جدى سديد الملك رحمه الله تعالى كتابًا يقول فيه: «قد حصلت بمدينة (^٣) اللّاذقية بين الروم، ومعي كتب

(^١) هو السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن محمد بن داود بن ميكائيل، جلال الدولة أبو الفتح السلجوقى، ثالث ملوك السلاجقة، تولى الملك بعد أبيه ألب أرسلان سنة ٤٦٥، وتوفى سنة ٤٨٥ هو ووزيره نظام الملك الحسن بن إسحاق، صاحب المدرسة النظامية.
(^٢) بعل بأمره: برم وضجر فلم يدر كيف يصنع فيه.
(^٣) هذا ما في خ. وفي الطبعة الأولى: ع [ند].

1 / 181

الإسلام، وقد وقعت لك رخيصًا فهل أجدك حريصًا». فسير إليه من يومه ولده عمى عز الدولة أبا الم [رهف (^١)] نصرًا ﵀، وسبّر معه خيلا كثيرًا من غلمانه وجنده، وظهرًا لركوبه وحمل أثقاله، فأتاه وحمله وما معه فأقام عند جدى ﵀ مدة طويلة، وكانت له بالوالد ﵀ عناية وإلف، فلما اجتاز ببغداد قصده ليجدد به عهدا، فحدثني ﵀ قال:
دخلت عليه ومعي الشيخ أبو الحسن علي بن البوين الشاعر، وهو كاتب كان لجدى ﵀، فوجدته قد بلغ من العمر إلى ما غير ما كنت أعرفه فيه، ونسي كثيرًا مما كان يذكره، فلما رآني عرفني بعد السؤال، لأنه فارقني وأنا صبي ورآني وأنا رجل، فاستخبرني عن طريقي، فعرفته توجهي إلى دركاه السلطان (^٢)، فقال: تبلغ خواجا بزرك نظام الدين (^٣) سلامي، وتعرفه إن الجزء الأول من التفسير الذي قد جمعته قد ضاع، وهو تفسير «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» واسأله أن يأمر باستنساخه من النسخة التي في خزانته وينفذه لي. وكان جمع تفسير القرآن في مائة مجلد، وكان لضعفه وكبره مستندًا بين الجالس والمستلقي على فراش له، وحوله كتب كثيرة، وهو يكتب، فسلم عليه الشيخ أبو الحسن بن البوين كاتب الأمير سديد الملك. قال: البوين أي شيء هو؟ لعن الله البوين! ثم فكر هنيهة وقال: أنت الشاعر النحوي الكاتب؟ قال: نعم. فأنشد:
قالوا السُّلاميُّ فقلت اطبقي … ذا محلبانُ الضَّرع لبّانُ (^٤)
ثم عاد إلى حديثه معي فلمح الشيخ أبا الحسن وقد أخذ كتابا من تلك

(^١) التكملة من خ والنجوم الزاهرة ٥: ١٦٣. وهو أبو المرهف نصر بن علي بن مقلد ابن نصر بن منقذ. وقد تولى شيزر سنة ٤٧٩ وتوفى سنة ٤٩٢.
(^٢) الدركاه: القصر، فارسيته دركاه، ومعناه الباب والسدة والدار، مركب من «در» أي باب، ومن «كاه» أي محل، الألفاظ الفارسية المعربة لأدى شير ٦٢.
(^٣) كذا في الأصل. وفي الألفاظ الفارسية المعربة ٢٢: «البزرك فارسي محض، ومعناه العظم، لقب به الوزير نظام الملك». وانظر كتاب الاعتبار ١٧٤ - ١٧٥.
(^٤) محلبان، عنى به المبالغة من الحلب، ولم أجده في معجم.

1 / 182

الكتب التي حول فراشه فقال: يدخل الإنسان وينبسط ويقرأ ما عنده (^١) من الكتب، أي إني من أهل العلم، ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها! فألقاه من يده، وكان الكتاب كتاب العصا.
ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه، وكلما تعذّره وجوده ازددت حرصًا على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا. ولا أدري أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره. على أني قد بلغت النفس مناها، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها. ولا أرتاب في أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تأليفه وتنميقه، وأنا فاتني مطلوب ففرغت إلى تجويزه وتلفيقه (^٢). وكتابي هذا وإن كان خاليًا من العلوم التي يتجمل [أصحاب (^٣)] التصانيف بها، ويرغب أولو الفضل في طلبها، فما يخلو من أخبار وأشعار تميل النفوس إليها، ويحسن موقعها ممن وقف عليها. وقد افتتحته بذكر عصا موسى ﵇، ثم ذكر عصا سليمان بن داود ﵇، ثم أفضت في ذكر الأخبار والأشعار التي يأتي فيها ذكر العصا. ولا أدّعي أنى أنيت على ذكر العصا فيما جمعته، وإنما أدرت منه ما حفظته وسمعته.
وبالله ﷿ أعو [ذ] وأعتصم، من أن تكتب يدي ما يؤثم وبصم (^٤). ومن رحمته تعالى أطلب الصفح والغفران، عن اشتغالي بالترهات عن تلاوة القرآن، وهو سبحانه أقرب م [دعوّ]، وأكرم مرجوّ.

(^١) كذا: ولعله يريد «ما يلقاه في مجلسه».
(^٢) فرغ إلى الشئ: عمد له وقصد. وفي حديث أبي بكر:» افرغ إلى أضيافك»، أي اعمد واقصد. والتجويز: الإنفاذ والإمضاء، وليس ما يضطرنا إلى تصحيحها لتكون:
«تحويره».
(^٣) ليست في الأصل.
(^٤) يصم، من الوصم، وهو العيب.

1 / 183

فصل في تسمية العصا
قال أبو بكر محمد بن دريد ﵀ (^١): إنما سميت العصا عصا لصلابتها، مأخوذ من قولهم عصَّ الشئ وعصا وعسا (^٢)، إذا صلب. واعتصت النواة، إذا اشتدت. فإنما العصا مثل يضرب للجماعة. يقال شق فلان عصا المسلمين والجماعة.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إياك وقتيل العصا (^٣)» يريد المفارق للجماعة فيقتل. وألقى الرجل عصاه، إذا اطمأن مكانه. ويقال عصا وعصوان، والجمع العصي (^٤)، وأعصى الكرم، إذا خرج عيدانه (^٥). وفي الحديث عن النبي ﷺ: «لا ترفع عصاك عن أهلك» يراد به الأدب. ويقال لعظام الجناح عصي. وعصوت الجرح، إذا داويته (^٦). والعصيان: خلاف الطاعة. قال دريد بن الصمة:
فلما عصوني كنتُ منهمْ وقد أرى … غوايتهم وأنني غير مهتدِ (^٧)
وقد سميت الهراوة، وجمعها (^٨) هراوى. قال ابن فارس في كتاب مجمل اللغة:
هروته بالهراوة، إذا ضربته بها.
قال العباس بن مرداس السّلمى أبياتا ذكر فيها الهراوة أنا ذاكرها وموردها لحسنها وجزالتها، وهي من مختار الشعر. وقد اختارها أبو تمام حبيب ابن أوس الطائي في حماسته في باب الأدب (^٩)، وهي:

(^١) لم أجد كلامه هذا في الجمهرة ولا في الاشتقاق.
(^٢) يقال أيضا: «عسى» كرضى.
(^٣) في الأصل: «وقتل العصا». وهو من حديث صلة بن أشيم، رواه في نهاية ابن الأثير واللسان (عصا) باللفظ الذي أثبته. وقالا: معناه إياك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شق عصا المسلمين.
(^٤) يقال بضم العين وكسرها.
(^٥) في القاموس واللسان: «خرج عيدانه ولم يثمر».
(^٦) في الأصل: «أي داويته»، وأثبت ما في خ.
(^٧) من قصيدة في الأصمعيات ٢٣ - ٢٤ والحماسة ١: ٣٣٦.
(^٨) في الأصل: «وأصلها».
(^٩) الحماسة ٢ - ٢٠.

1 / 184