افکار و رجال: قصہ فکر غربی
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
اصناف
وليس معنى هذا كله أن الرجل الإغريقي العادي لم يعتقد في آلهته. وحتى عندما حل عام 400ق.م ظهرت أقلية من المثقفين لا تعتقد في هذه الآلهة، وكانوا يبحثون عن عقيدة في إله آخر، أبسط وأرقى من الناحية الخلقية. كما ظهرت أقلية أخرى من المتشككين، اللاأدريين، والعقليين، نبذت الآلهة القديمة دون الشعور بالحاجة إلى آلهة غيرها. كما أن بعض الإغريق قد أخذوا يمارسون عقائد أكثر صوفية، إما بالإضافة إلى الديانة الرسمية وإما بدلا منها. غير أن غالبية الإغريق العظمى في عهد الثقافة العظمى كانوا - فيما يظهر - يمارسون الديانة الرسمية. وليس في وسعنا أن نعرف إلى أي حد كان إيمانهم حارا أو عميقا. ربما كانوا لا يتجاوزون أداء الحركات، بيد أن أداء الحركات معناه الاشتراك في طقوس دينية رسمية، ومثل هذه المشاركة عمل له أهميته من الناحية الاجتماعية. وفي القرون الستة أو السبعة التالية اندثرت الديانة الإغريقية الرسمية كما يمكن لأية ديانة من الديانات أن تندثر اندثارا كاملا. ولكن ليس لدينا ما يبرر الاعتقاد بأنها لم تكن جانبا هاما من جوانب الحياة الإغريقية في هذا العهد.
وحتى في أمريكا الحديثة التي حطمت تحطيما أشمل مما فعل أي بلد آخر من البلدان العظمى السحر الذي ألقته الثقافة الإغريقية العظمى على أسلافنا في عصر النهضة، حتى في أمريكا الحديثة هذه لا يزال هناك من الميثولوجيا الكلاسيكية شيء يذكر؛ فنحن نعرف أن زيوس (أو جوبتر باللاتينية) كان أبا للآلهة، أو زعيما لها، وأنه كان يقذف الصواعق، وكانت له بالإلاهات كما كانت له بالأحياء من النساء علاقات غرامية. وفي أذهاننا صورة غامضة عن صندوق باندورا، ورأس جورجون، وأعمال هرقل (أو هيركيوليز باللاتينية) الشاقة، وغير ذلك من الحكايات. ومجموع هذه الحكايات عن الآلهة والأبطال التي تتألف منها مادة الديانة الإغريقية الأولمبية، ضخمة في الواقع، ولكنها لم تثبت أو تدون في كتاب مقدس.
وربما استمد أكثر المتعلمين من الإغريق معرفتهم عن الآلهة من قصائد هومر خاصة، التي كان الكثيرون يحفظونها عن ظهر قلب في شبابهم، ولكن هناك مصادر أخرى كثيرة، بعضها يرجع إلى ماضي الإغريق الأوائل السحيق، وربما كان بعضها منقولا عن أولئك الذين كانوا يقطنون اليونان قبل أن يهبط الإغريق من الشمال أو وسط أوروبا إلى حوض البحر المتوسط ليغزوهم. ويمثل التطور في تعدد الآلهة الذي حدث في القرنين الخامس والرابع في بلاد اليونان تاريخا طويلا، اشتغل به طويلا علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والتاريخ. وليس من واجبنا هنا - على أية حال - أن نحاول الإجابة عن الأسئلة التي تثار حول منشأ الديانات، أو حول الاعتقاد بالأشباح، أو وجود الحياة (الروح) في الريح، والأشجار، ومساقط المياه، وفي كل ما يسميه المحدثون الطبيعة. ولما حل عام 400ق.م كان قد انقضى على الإغريق قرون تساءلوا فيها، وفكروا، واعتقدوا، ووصلوا إلى مجموعة من المعتقدات والمراسم، ليست منظمة كل التنظيم، وليست شائعة كل الشيوع حتى بين الإغريق أنفسهم، ولكنها كانت - برغم ذلك - نظرة معينة إزاء مشكلات الوجود البشري الكبرى.
وهذه نظرة عامة وصفية بسيطة نهائية: كانت هناك آلهة محلية كثيرة، وجنيات، وأبطال، بل وأرباب وربات محلية، أو اتجاهات محلية في عبادة أرباب وربات أكثر عالمية. وكانت آثنا بمعنى ما الآلهة المحلية الخاصة في أثينا، ولكنها كانت في كل أنحاء العالم الذي يتكلم اليونانية آلهة معترفا بها باعتبارها ربة الحكمة. وبالرغم من هذه المحلية الشديدة، وبالرغم من أن الآلهة الجدد قد يظهرون في أي مكان، كان هناك ما يشبه النظام الإغريقي الفيدرالي في الدين أكثر مما كان في أي نشاط بشري آخر. وكانت معابد زيوس في أولمبيا، حيث كانت الألعاب الأولمبية تقام، ومعابد أبولو في دلفي، تعتبر ملكا روحيا لبلاد اليونان كلها.
وأكثر شراح شئون الإغريق يتفقون على بعض الأحكام العامة الأخرى التقديرية المعينة فيما يتعلق بالديانة الأولمبية؛ فالأرباب والربات أولا «كائنات بشرية»، لا تموت، وهي مجيدة بالمعنى الطيب لهذه الكلمة التي أسيء استخدامها. وهي أقوى من الأحياء بدرجة لا توصف. وهي لمن يعتقد فيها مخلوقات تتجاوز فعلا هذه الحياة الدنيا، ولا يمكن وصفها، وربما كانت أشبه بتلك الرسوم التي تمثل السوبرمان في صورنا الفكاهية للطفل، بل ولغير الطفل، «ولكنها» - فيما خلا ذلك - كانت كالكائنات البشرية؛ فأسرة الأرباب والربات تأكل، وتشرب، وتتشاجر، وتتبادل الحب، وتستغرق في كل لذة ممكنة في كل حين - شأنها في ذلك شأن بني الإنسان. وهي لا تظفر دائما بما تريد؛ لأن رغبات الأرباب والربات الأخرى قد تعترض رغباتهم، وحتى زيوس نفسه لم يكن قادرا على كل شيء. والواقع أنك حينما تقرأ عن محاولات زيوس للسيطرة على أسرته العاصية، تحس أن زيوس هو أكثر الأرباب إخفاقا في تحقيق آماله، ولكنه يسترد دائما نفوذه بالنسبة إلى البشر؛ لأنه في علاقته بالرجال والنساء على كل شيء قدير.
ويترتب على ذلك أنه يتحتم على البشر أن يبذلوا قصارى جهدهم لكي يظفروا برضا الآلهة ويتجنبوا غضبها. وكان كذلك دائما عملا شاقا، إذا صدقنا ما رواه هومر؛ لأن بطله أوديسيس أرضى آثنا كل الرضا، ولكنه أساء إلى منافسها وعمها بوزيدون - إله البحر - إساءة شديدة. وفي النهاية أفلح أوديسيس لأن آثنا إجمالا - وفي هذه الواقعة بالذات - كانت أعلى مقاما من بوزيدون. ولكن الرجل العادي من الأحياء لا يستطيع أن يتثبت من الحكم على الإله الظافر أكثر مما يستطيع أن يتثبت من الحكم على أي الخيول يربح في السباق.
ولكن هذا الشك لا يثني - بطبيعة الحال - أكثر الناس عن الرهان. وكان الإغريق يراهنون على الآلهة بمعنى ما. كان الأحياء يقومون بأداء الطقوس - يضحون بالحيوان، وينصبون لوحات النذور، وما إلى ذلك. ويتوقعون، أو يأملون، أن يظفروا من الآلهة بالثواب لقاء ذلك. والعبارة الوصفية المألوفة في هذا الشأن هي أن هذا الوجه من أوجه الديانة الإغريقية كان يسير وفقا لهذه العبارة اللاتينية: إنني أعطيك لكي تعطيني. والكاتب الحديث يشير دائما - وهو على حق - إلى أن العابد الإغريقي وهو يضحي بالحمل لبوزيدون لكي يقوم برحلة بحرية آمنة، لم يكن يدعو إلها شخصيا، ولم يكن يحاول أن يكفر عن إثم ارتكبه أو قد يرتكبه، ولم يكن يتحد مع إله من آلهة الحق الذي يهتم بالحياة الباطنية كما يهتم بالحياة الخارجية لمن يعبدونه فوق هذه الأرض. وأقول في إيجاز إن ديانة آلهة الأولمب لم تكن ديانة المسيح، أو ديانة محمد، أو ديانة بوذا.
ومن المعالم الكبرى لديانة الإغريق وجود الكاهن. وأكبر الكهان هو أبولو في دلفي. وكان كل امرئ تقريبا في وقت من أوقات حياته يستشير الكاهن في مشكلة من المشكلات العائلية العويصة، أو في أزمة مالية، أو رحلة خطرة يوشك أن يقوم بها، أو ما يشبه ذلك. وكانت إجابة الإله - الذي يتكلم عن طريق قساوسة المعبد - تحتمل وجهين في أغلب الأحيان، أو «تكهنية» (أي مبهمة)، ولكنها كانت كذلك عادة معزية، لا تتطلب قط عملا خياليا أو غير تقليدي، وليس من شك في أن هؤلاء الكهان كانوا يعاونون كثيرا على الاحتفاظ بالطرق المستقيمة في الحياة الإغريقية. واختلاف وجهات النظر إزاء الكهان ربما كان - على الأقل في عهد بركليز - شبيها باختلاف وجهات النظر إزاء المعجزات بين المسيحيين المحدثين. وهناك أدلة كافية على أن كثيرا من الإغريق المتعلمين لم يعتقدوا فيهم، ومع ذلك فقد كانوا من غير شك جزءا من الديانة الرسمية.
ومهما يكن من أمر فقد كان الكهان على غير اتفاق مع الأداة الجديدة للعقل البشري التي أسميناها التعليل الموضوعي؛ فكان الكهان في أغلب الأحيان يتدخلون، وكذلك لم يكن من المعقول لإله مشغول أن يهتم بشئون خاصة شخصية كثيرة. ولا غرو إذا كان صاحب العقل المرن من المعجبين المحدثين بالإغريق القدامى لا يرضى عن التوجه إلى الكهان، كما لا يرضى عن أمثلة كثيرة أخرى من الخرافات الغليظة التي شاعت بين هؤلاء القوم - أبناء النور. ولكنه يعزي نفسه - إلى حد ما - بملاحظة الإعلانات الكثيرة عن المنجمين والعرافين في الصحف الأمريكية المحترمة. وهو يلاحظ كذلك - بحق - أن الإغريق كانوا أقرب جدا منا إلى المجتمع البدائي الذي نشئوا عنه. ومن ثم فلم تكن هناك مندوحة - حتى في ثقافتهم العظمى - من بقاء شيء من ذلك النوع من الأعمال التي يربط الأنثروبولوجيون في العهد الحديث بينها وبين الشعوب «البدائية». وهو أخيرا يرى أن الإغريق لم يكونوا من العقليين ذوي العقول الضيقة. ولكنهم قوم يدركون تمام الإدراك عمق الحياة ولغزها، كما يدركون كل ذلك الجانب من الخبرة البشرية، الذي لا يخضع خضوعا واضحا للعقل المدبر. والكهان، والنذور، والضحايا، والمعاملات الشخصية مع آلهة وإلاهات ليسوا نبلاء كل النبل - كل ذلك ليس بعيد الصلة عن الكفاح الأكثر روحانية الذي يقوم به كتاب المسرحية والفلاسفة في عالم يبدو كأنه لم يخلق في الواقع - في إصرار وعناد - لكي يكون الإنسان سعيدا فيه.
والمشكلة هي أن الانطباع الواضح لكل هذا على القارئ الأمريكي العادي هو - على الأرجح - أن الإغريق لم تكن لهم في الواقع ديانة، أو على الأقل لم يكن لديهم ذلك النوع من المشاعر التي نربطها بالدين. وليس من شك في أن هذا الانطباع خاطئ لم يحس الإغريقي إزاء آلهته كما نحس، أو كما نرى أنه يجب علينا أن نحس، إزاء إلهنا، ولكنه أحس إحساسا واضحا أن هذه الآلهة واقعية، وأن لها عليه وعلى بقية الكون سلطانا، وأنه يستطيع بنوع معين من السلوك (أي بأداء الطقوس) أن يستخدم هذا السلطان لمصلحته، ولو أنه، بطبيعة الحال، أهمل هذا السلوك، فهو يخاطر باستخدام هذا السلطان فيما يؤذيه. وليس هذا البتة هو أسمى ما حلق إليه الخيال الديني عند الإنسان، ولكنها كانت ديانة صادقة، وفي الفترة التي كان الناس يعتقدون فيها، كانت تؤدي جانبا من جوانب الاحتفاظ بالنظام الاجتماعي، والإحساس بالمشاركة في شيء عام، لا بد منه للإبقاء على كل مجتمع بشري، وكانت أشكال طقوسها عديدة، معقدة، تقابل الاهتمامات البشرية كلها، على الأقل على المستوى التقليدي للحياة اليومية.
نامعلوم صفحہ