افکار و رجال: قصہ فکر غربی
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
اصناف
ونستطيع على الأقل - إذا أثبتت العلوم الاجتماعية بحق أنها علوم تراكمية - أن نحصل على إجابات جزئية لمشكلات انهيار مجتمعات معينة، ويمكن لهذه الإجابات الجزئية في النهاية أن تضيف محصولا جديدا إلى أكثر المعارف النافعة. وهناك عناصر متعددة، وصور كثيرة من المعادلة المعقدة (لا يدركها الحصر) في مسألة التدهور في حالة بلاد اليونان في القرنين الخامس والرابع. وكثير من هذه العناصر أدخل في باب تاريخ الاقتصاد والسياسة منها في باب تاريخ الفكر. ولكن لما كان من واجبات تاريخ الفكر أن يحدد المشكلات الكبرى التي تعترض سير الحياة البشرية فوق هذه الأرض، وأن يحاول أن يجد لها الحلول، فسوف نحاول في نهاية هذا الفصل أن نعرض موجزا مختصرا لهذه الأزمة في ثقافة الإغريق العظمى. أما الآن فسوف نوجه اهتمامنا الأكبر إلى العناصر الفكرية في حدودها الضيقة. سوف نحاول أن نكتشف ما أصاب أسلوب الحياة من خلل - وهو أسلوب جذاب بالتأكيد لكثير من الكائنات البشرية - وهو الأسلوب الذي حاولنا أن نرسم صورة له في الفصل السابق، وربما لم يحدث أي خلل، ولعل الثقافة الإغريقية قد انتقلت إلى دور الشيخوخة الذي نحس إحساسا ذاتيا أنه أقل من الشباب جاذبية. ومهما يكن من شيء فإن مثل هذه الحتمية العضوية لا تزال تعترض تيار الفكر الغربي الحديث.
عمق الثقافة الكلاسيكية
ربما لم تكن الثقافة العظمى التي نربطها بأثينا القديمة سوى ثقافة الأقلية الممتازة، وربما كانت الجماهير - حتى في أثينا - بعيدة في الواقع عن الاستمتاع بهذه الثقافة. ويستحق هذا السؤال منا البحث، وإن تكن الإجابة عنه لن تعيننا بالضرورة على بيان السبب في انهيار هذه الثقافة؛ فقد كانت هناك مجتمعات بشرية كثيرة، عاشت طويلا بالنسبة إلى غيرها، وكانت للطبقات الممتازة فيها آراء عن الفضيلة والجمال، لا تكاد الجماهير البتة تشاركهم فيها. وإن يكن «شيء» من مثل هذه المشاركة يبدو شرطا من شروط المجتمع السليم حقا، وهو قطعا من شروط المجتمع الذي يعد نفسه ديمقراطيا ، بالمعنى الذي نقصده من هذه الكلمة. ومن الأمثلة الواضحة لنوع الانفصال الاجتماعي الذي لا يتفق وآراءنا في الديمقراطية، وقد لا يتفق وأسلوب الحياة الذي يصوره بركليز في خطاب الذكرى، ذلك الانقسام الذي كان قائما في الجنوب الأمريكي في العهد السابق بين مجموعة صغيرة من الأرستقراط أصحاب المزارع وجمهور ضخم من البيض الفقراء والعبيد، وربما كانت «الهوة العميقة فعلا» في نظر الرجل الغربي بين ثقافة الطبقة الحاكمة وثقافة الطبقة المحكومة هي بالفعل من دلالات الأزمة، ومما ينذر بالتدهور.
ومع ذلك فالإجابة عن هذا السؤال: إلى أي مدى بلغ عمق الثقافة العظيمة في أثينا في القرن الخامس؟ شاقة جدا. ولا يسعنا إلا أن نجمع شذرات من الأدلة، وأن نحاول وزنها.
والدليل الأدبي غامض يحتمل وجهين من أوجه التفسير؛ فإن أفلاطون بتشبيهه الرجال بالذهب، والفضة، والحديد، والبرونز، وأرسطو بتأكيده أن بعض الناس يولدون عبيدا، وكذلك كثير من الكتاب، يشيرون إلى أن المثقفين - على الأقل - يرون الفصل الشديد بين طبقة ممتازة جديرة بالعيش على مستوى الثقافة العظيمة، وطبقة منحطة من العمال ليست قمينة بالمشاركة في مثل هذه الثقافة، يرون ذلك أمرا مرغوبا فيه، وليس هناك ما يدل من ناحية أخرى - سوى علمنا المستقل بأن الرق كان موجودا فعلا - على أن بركليز في خطاب الذكرى كان يخطب في مجموعة لا تشمل جميع سكان أثينا. وليس هناك ما يدل على أنه كان يعتقد في وجود مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين آخرين من الدرجة الثانية، ومن الجائز أن الكتاب من أمثال أفلاطون وأرسطو كانوا من المفكرين الذين خاب أملهم فعلا، ومن شهود انهيار الثقافة العظمى، وأن كليهما كان إلى حد ما يكتب باعتباره هاربا سياسيا.
والواقع أن دلالة الهجمات على الديمقراطية التي وجهها هذان الكاتبان إلى الديمقراطية، والتي وجهها بطريقة أخرى رجال من أمثال زينوفون المؤرخ، والكاتب المسرحي الهزلي أرستوفان، والكاتب الذي نشر رسالة باهرة من غير توقيع، الذي يسميه الباحثون «أوليجارك العجوز»، وغيرهم؛ دلالة هذه الهجمات على أن ثقافة أثينا في القرن الخامس في عهدها المتأخر قد تغلغلت في حياة الرجال والنساء، وعلى أن أثينا كانت تمارس الديمقراطية من بعض الوجوه - أقول الواقع أن دلالة هذه الهجمات لا تخلو من المعنى. ولم يكن بالإمكان أن يتحمس هؤلاء الكتاب كل هذه الحماسة ضد فكرة مجردة.
وليس لدينا - لسوء الحظ - عن أثينا شيء يشبه تلك المعرفة التي تمكننا من قياس عمق الثقافة المعاصرة على صورة من الصور. ليس لدينا إحصاء - مثلا - عن عدد المتعلمين في أثينا، ولدينا في الواقع علم ضئيل جدا بالتربية الرسمية فيها. لم يكن هناك نظام مدرسي تحت إشراف الدولة، ولم تكن هناك قطعا طباعة أو شيء يشبه صحافتنا اليومية والدورية. وكانت الكتب عبارة عن صحائف من المواد المكلفة منسوخة باليد، ولم يكن هناك شيء يشبه المكتبة العامة. ولما أسست في القرن الثالث قبل الميلاد فيما بعد مكتبات عامة ضخمة، كانت المكتبات للباحثين، ولم تكن لنشر المعرفة بين الجماهير. ولم يستطع في الواقع أن يمتلك الكتب إلا أصحاب اليسار.
ومع ذلك فإن لدينا دليلا طيبا على أن نوع الثقافة الذي عرضناه كان واسع الانتشار في أثينا على الأقل - حتى على مستوى التربية العامة والتعليم العام. وقد أصبحنا اليوم خاضعين كل الخضوع لسلطان الكلية المكتوبة، حتى إنه ليشق علينا أن ندرك كيف يمكن لمجتمع أن يتثقف ثقافة غربية دون استغلال الكلمة المكتوبة على نطاق فسيح. وقد يسيطر على أبنائنا - بطبيعة الحال - التليفزيون، أو ما يشبهه، كما تسيطر علينا الكلمة المكتوبة، فيعجب الأبناء كيف أن مخلوقات مثلنا اعتلت ظهورها الكتب تعد نفسها متعلمة. ومهما يكن من أمر فإن ثقافة أثينا الأدبية كانت تعتمد على الكلمة المقولة أكثر من اعتمادها على الكلمة المكتوبة. وكانت أسواقها، ومسارحها، ومعابدها، وغير ذلك من الأماكن العامة، في خير أيامها تعج بكل صنوف الرجال، يلغطون، ويتبادلون التجارة، ويتحدثون في السياسة، والجو، والفلسفة. وقد كانت فنون النحت، والتصوير، والعمارة، التي يشهدها الجميع في المنشآت العامة، وفي الطقوس الدينية، وفي الأداء المسرحي، كانت - فوق ذلك - بمثابة تربية عامة دائمة على تقدير الجمال.
كما أننا نعرف جميعا أن الشئون العامة كانت في أثينا، وفي كثير غيرها من المدن الحكومية التي تتمتع بشكل من أشكال الحكم الديمقراطي، من الأمور التي يهتم بها جميع الذكور من المواطنين اهتماما مباشرا. وحتى الحكومة الأكثر أوليجاركية مثل إسبرطة لم تكن مطلقة، بل لقد كان مواطنوها يعلمون أنهم يشتركون في شيء ما، وكان لهم على الأقل حق الموافقة أو عدم الموافقة في المجالس على قرارات حكامهم. وهذه المدن الحكومية الصغيرة - وحتى أثينا كانت صغيرة بمعاييرنا - ربما كانت أشبه بالمدن القديمة في إنجلترا الجديدة منها بأي شيء آخر في تجربتنا؛ فكانت الموضوعات ذات الصبغة العامة تناقش دائما علنا، وكانت القرارات النهائية في الديمقراطيات الرسمية كأثينا تصدر بتصويت آلاف المواطنين المجتمعين للمناقشة العامة. كان الحكم عند الإغريق - في إيجاز - يقوم على أساس المناقشة، وكانت عندهم سياسة من النوع الذي نعرفه بهذا المصطلح، بل إن كلمة بولوتيقا (أو سياسة) ذاتها، إغريقية في أصلها.
والسياسة من هذا النوع لون من ألوان التربية، وضرب من ضروب الثقافة لأولئك الذين يشتركون فيها. ولكن النقاد من أصحاب العقول المرنة أصروا حينئذ - كما يصرون اليوم - على أن الرجل المتوسط يضعف عند الاستماع إلى الكلام البليغ، ويتأثر بالدوافع الذاتية الضيقة، ميال إلى العمل الجماهيري غير البصير، لا يقبل الامتياز أو التفوق الحق - أي كان باختصار - بمثابة المعدة (في جمهورية أفلاطون) وضعت - لسوء الحظ - موضع الرأس والقلب. ولم يهاجم الديمقراطية العملية أحد بمثل العنف الذي هاجمها به أرستوفان في مسرحية «الفرسان»، حيث يمثل ديموس (أي الشعب) بشخصية هزلية، نصفها شر، ونصفها الآخر حماقة. ومع ذلك فقد كان ديموس بآلاف الأعداد من المشاهدين - فيما نظن - في المسرح، يضحكون من هذا القذف فيهم، كما يشتري رجال الأعمال في أمريكا مسرحية «بابت» لسنكلير لويس ويقرءونها. وإذن فقد كان الناس من جميع الأنواع - على أقل تقدير - في أثينا وكثير من المدن الحكومية الإغريقية الأخرى في القرن الخامس، يدركون إمكان الاختيار في السياسة، وعليهم أن يقرروا، بالرغم من أن هذا العمل لم يكن على المستوى العقلي الرقيق الذي أراده الفلاسفة، وربما لم يكن عند هؤلاء الإغريق في الواقع إلا تلك الأناقة وذلك التنبه المدلل، وذلك الاهتمام السطحي بأمور الساعة الجارية، أو تلك السفسطة العامة التي نعرفها عند الرجل العامي من أهل لندن أو باريس أو نيويورك. ولكنا نسلم لعشاق الإغريق بشيء يسير: وذلك أنه من الجائز، بل من الراجح، أن المستوى العام في الفكر والذوق كان أعلى في أثينا لعهد بركليز منه في أية جماعة يمكن أن تقارن بها في الحضارة الغربية.
نامعلوم صفحہ