ماذا لو قرأت الجاحظ في «الرسائل» أو في «البخلاء» أو في غيرهما من روائع أدبه لترى كم يوحي لك فكر يظل يلاحقك دهرا لعله لا ينتهي؟ أو قرأت أبا حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» أو في «المقابسات»، فترى كم هي المسائل العقلية التي تثار في ذهنك فتثيرك؟ ولا أقول شيئا عن أبي العلاء، فأنت معه في بحر لجي من الخواطر الموحيات.
الفكرة الأدبية هي «حالة» تخرج بها من قراءتك لناتج أدبي، فتكسبك هذه الحالة الوجدانية التي خرجت بها منظارا جديدا قد تقبله وقد ترفضه، لكنه في كلتا الحالتين يتركك أوفر حياة مما كنت. فهل أنت واجد مثل ذلك فيما يكتبه أدباء يومنا، وإذا وجدته فبأي مقدار؟!
هل هما اثنان؟
يعظم العظيم ما استطاع أن يعظم، فما دام بشرا من البشر، فهو يصيب ويخطئ. وكلما اتسعت مع العظيم آثار المعرفة، زادت الأفكار التي يصيب فيها، وكذلك زادت الأفكار التي يخطئ فيها. ولست أنسى في هذا المجال من الحديث، المقدمة التي لم تزد على بضعة سطور، والتي قدم بها «أولفر جولد سمث» قصته «راعي ويكفيلد»، وهي المقدمة التي يوجه فيها الكاتب العظيم رجاءه الضارع إلى قارئ قصته والتي هي رائعة من روائع الأدب الإنجليزي، بأن يحاسبه القارئ على أساس ما قد أصاب فيه، قبل أن يحاسبه على ما أخطأ فيه.
أقول ذلك لأمهد به لما سوف أعرضه عن عظيم الأدب العربي الجبار، أبي العلاء المعري. فلئن لم يكن في الأدب العربي شاعر سواه، لحق لنا - نحن العرب - أن نفاخر به وحده آداب العالمين. ولقد سمعت العقاد ذات يوم يقول - والعقاد هو من هو في نقد الشعر - سمعته يقول عن قصيدة أبي العلاء «غير مجد في ملتي واعتقادي»: إنها أعظم ما عرفه شعر الدنيا قديمها وحديثها معا. وقد يكون في هذا الرأي شيء من الإسراف، لكنه برغم ذلك رأي لا يخلو من صواب.
وأقول بعد هذا التمهيد، إن لأبي العلاء المعري من التصورات، ما أقف إزاءها متسائلا: أحقا قال المعري ذلك؟ ومصدر تساؤلي هو الخطأ الواضح الذي أراه، ما يبعد به عن أن يكون من أقوال المعري صاحب البصيرة النافذة. ومن أمثلة ذلك بيت الشعر المشهور الذي ينسب إليه والذي يضاد فيه بين «العقل» و«الدين» إلى الحد الذي يفصل عنده بين رجل يحتكم إلى عقله، وآخر يحتكم إلى دينه، كأنما هما رجلان لا يلتقيان! وعلى ذلك فالناس في رأيه مجموعتان؛ إحداهما يغلب عليها «العقل» وإذن فهي بغير دين، والأخرى يغلب عليها الدين وإذن فهي بغير عقل:
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا
دين وآخر دين لا عقل له
وسؤالي الآن هو: هل هما اثنان أهل الأرض حقا، كما قال المعري؟
الخطأ في رأيي واضح، ولو كان هذا الخطأ مقصورا على المعري، لقلنا إنه شاعر أراد أن يجعل التضاد بين الجانبين حادا ليبرز الفرق أمام الأبصار، وقد لا يكون في حقيقة أمره مقتصرا في هذا الانقسام الفاصل بين الطرفين.
نامعلوم صفحہ