ادبیات زبان عربی
أدبيات اللغة العربية
اصناف
وأصبحت الأندلس بعد ذلك في أواخر القرن الخامس غاصة بالمكاتب والمدارس الجامعة، ولم تخل مدينة من مدنها من مدارس متعددة. قال جيون في كلامه على حماية المسلمين للعلم في الشرق والغرب: «إن ولاة الأقاليم والوزراء كانوا ينافسون الخلفاء في إعلاء مقام العلم والعلماء، وبسط اليد في الإنفاق على إقامة بيوت العلم ومساعدة الفقراء على طلبه. وكان عن ذلك أن ذوق العلم ووجدان اللذة في تحصيله انتشرا في نفوس الناس من سمرقند وبخارى إلى فاس وقرطبة. أنفق وزير واحد لأحد السلاطين (هو نظام الملك) مئتي ألف دينار على بناء مدرسة في بغداد، وجعل لها خمسة عشر ألف دينار تصرف في شئونها كل سنة، وكان الذين يغذون بالمعارف فيها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، غير أن الفقير ينفق عليه من الريع المخصص للمدرسة وابن الغني يكتفي بمال أبيه، والمعلمون كانوا ينقدون أجورا وافرة.» ا.ه.
وجميع المدارس الطبية في البلاد الإسلامية أخذت نظام امتحانها عن مدرسة الطب في القاهرة، وكان من أشد النظامات وأدقها، ولم يكن لطبيب أن يمارس صناعته إلا على شريطة أن تكون بعد شهادة بأنه فاز في الامتحان، على شدته. وأول مدرسة طبية أنشئت في قارة أوروبا على هذا النظام المحكم هي التي أنشأها العرب في ساليرت من بلاد إيطاليا. وأول مرصد فلكي أقيم في أوروبا هو الذي أقامه العرب في إشبيلية من بلاد الأندلس.
وقد تعددت المراصد الفلكية في البلاد الإسلامية شرقا وغربا، ومن أشهرها مرصد بغداد المنشأ على قنطرتها، وقد رصدت به عدة أرصاد وصححت جملة أزياج، ومرصد المراغة الذي أنشأه نصير الدين الطوسي بأمر هولاكو خان، ولما أتم كوپلاى خان أخو هولاكو فتح الصين نقل مؤلفات علماء بغداد إليها، ومرصد سمرقند الذي أنشأه تيمور لنك، ومرصد دمشق الذي أنشأه ألوغ بك مرزا محمد حفيد تيمور لنك، وكان من أعلم علماء الفلك، وله زيج مشهور معتبر إلى هذا العصر، وكان بمصر مرصد جبل المقطم، أنشأه ابن يونس الفلكي الشهير صاحب الزيج الحاكمي.
وأما دور الكتب فلم تكن عناية الدول الإسلامية بها أقل من عنايتهم بالمدارس، فقد كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مئة ألف مجلد منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. ومكتبة الخلفاء في الأندلس بلغ ما فيها ستمئة ألف مجلد، وكان فهرسها أربعة وأربعين مجلدا. وقد حققوا أنه كان ببلاد الأندلس وحدها سبعون مكتبة عمومية، وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة، وبعض الخاصة كانوا يولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد دراسة لما تحتوي عليه.
وأما ضخامة تآليفهم فما لا يحصره العد، وحسبك في المشرق كتاب «قيد الأوابد» للإمام البنجذيهي المتوفى سنة 559 من قرى خراسان في 400 مجلد، وفي الأندلس لأحمد بن أبان كتاب «العالم» نحو 100 سفر، بدأ فيه بالفلك وختم بالذرة، والأعجب الأغرب كتاب «فلك الأدب» الذي تعاقب على تأليفه من جهابذة الأندلسيين 6 في 115 سنة آخرها سنة 645ه.
ولقد أحرق أهل إسبانيا من الكتب الإسلامية بعد جلاء المسلمين عنها ما يدهش لبيان عدده السامع، ويحار المتأمل، ويتوقف قلم الكاتب.
جاء في المجلد الثالث من «المقتطف» وجه 7 ما نصه:
ليقل لنا أهل إسبانيا أين الثمانون ألف كتاب التي أمر كردينالهم شميتر بحرقها في ساحات غرناطة بعيد استظهارهم عليها، فأحرقوها وهم لا يعلمون ما يعملون، حتى أفنوا - على ما قال مؤرخهم ربلس - ألف ألف وخمسة آلاف مجلد كلها خطها أقلام العرب؟ وليتهم يخبرون كم من كتاب لعبت به نيرانهم بعد ذلك حتى لم يبقوا من معارف العرب ولم يذروا؟ وما يقولون عن السفن الثلاث التي ظفروا بها مشحونة بالمجلدات العربية الضخمة، وطالبة ديار سلطان مراكش، فسلبوها وألقوا كتبها في قصر الأسكوريال سنة 1671 ميلادية (الموافقة سنة 1082 هجرية) حتى لعبت بها النيران فأكلت ثلاثة أرباعها، ولم يستخلصوا منها إلا الربع الأخير؟ حينئذ استفاقوا من غفلتهم، وعلموا كبر جهالتهم؛ ففوضوا إلى ميخائيل القصيري الطرابلسي الماروني ترتيبها وكتابة أسمائها، فكتب لهم أسماء 1851 كتابا منها، فعلى ما في هذه الكتب وما بقي في أفريقية والمشرق قصر أهل هذه الأيام معارف العرب، وحتى هذه لم يستوعبوا جميع ما فيها. ا.ه.
وأما مكاتب بغداد فإنه لما فاجأها التتار بالهجوم بعد قتل الخليفة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، جعلوا دأبهم السلب والنهب، وأخذوا كتب العلم التي كانت في خزائنها، وألقوها بدجلة، فعبرت عليها جنودهم.
فأضف هذه النفائس إلى ما أحرقه أهل إسبانيا، وتصور مقدار ذلك كله، ثم انسب ما بقي من الكتب الإسلامية إلى ما أتلف منها، وتفكر بعد ذلك في أن هذه الملايين من الكتب إنما خطت بالقلم قبل أن تعرف المطبعة، واحكم بعد ذلك - وأنت منصف في حكمك - بأن العرب لم تسبقهم أمة اعتنت بالعلم اعتناءهم واهتمت به اهتمامهم.
نامعلوم صفحہ