وكلنا الآن يأسف على ذلك؛ لأن السياسي يجب أن يقود ولا ينقاد.
ولكن هذا الأسف نفسه يجب أن نأسفه أيضا على أولئك الأدباء والكتاب الذين لا يتصدون للخرافات التي توصف بأنها تقاليد، والتي تؤخر أمتنا وتعوقها عن التطور؛ لأن الأديب الذي يخلص لوطنه، مثل السياسي الذي يخلص لوطنه، يجب أن يقود الشعب ولا ينقاد بالعامة والغوغاء، يجب أن يتحداهم ويصلحهم ويرقيهم ويحملهم على التطور.
إني لا أمدح نفسي حين أقول إني استهدفت لسخط العامة والغوغاء حين ألفت كتابي «نظرية التطور وأصل الإنسان»، وكتابي هذا هو سلاح لتحطيم الخرافات، وكان هذا في سنة 1925، وفي 1954 كتبت جملة مقالات قلت فيها إن المجتمع الانفصالي، الذي يفصل بين الجنسين، يؤدي إلى العاهة النواسية، وجابهت العامة والغوغاء بكلامي هذا، وهو كلام أعتقد أنه حق. وقبل سنوات، عندما استفحلت الحركات الدينية وتدخل زعماؤها في السياسة كتبت في الدعوة إلى فصل الدين من الدولة، وقلت إن ميدان الدين هو الحرام والحلال، أما ميدان السياسة فهو الخطأ والصواب. وكنت في هذا القول متحديا مجابها أيضا للعامة، ومن مدة قريبة كتبت جملة مقالات قلت فيها إن الأدب العربي القديم لا يساعد على تخريج الأديب العصري، وكنت في هذا أيضا متحديا مجابها للعامة والغوغاء من الكتاب التافهين كبارا وصغارا.
وأكرر القول بأني لا أتمدح بهذا الكلام، ولكني أحس أن كثيرا من الأدباء والكتاب والصحفيين قد تملقوا، ولا يزالون يتملقون، العامة والغوغاء، فوق تملقهم السابق للقادة والساسة وعلى رأسهم البغي فاروق، مع أننا في حاجة إلى من يربون العامة والغوغاء ويحملونهم على أن يدخلوا في العصر الجديد.
عصر العلم بدلا من الخرافات.
وعصر المساواة بين الجنسين بدلا من الحجاب المنزلي أو الاجتماعي.
وعصر الاستبشار بالمستقبل بدلا من الاعتماد على التقاليد والتقيد بالماضي.
وعصر الزواج على أساس الحب والاعتراف بحق الشبان والفتيات في الحب.
وعصر الصناعة والآلات بدلا من الزراعة والإقطاع.
وعصر الاشتراكية بدلا من الانفرادية.
نامعلوم صفحہ