اعداد و بناء انسان
الأعداد وبناء الإنسان: العد ومسار الحضارات الإنسانية
اصناف
بالرغم من أن معظم الباحثين في اللغات كانوا يعتقدون قبل ذلك أن الاختلافات اللغوية سطحية إلى حد ما، وهي تخفي السمات العالمية الأعمق التي تشترك فيها جميع اللغات، فقد أصبح عدد كبير منهم يعتقد الآن أن الاختلاف في اللغات البشرية الموجودة عميق للغاية، حتى إنه لا يمكن تقديم مسوغات تجريبية تدعم القول بوجود سمات عالمية بارزة تشترك فيها جميع اللغات.
22
وفي رحلتنا القصيرة إلى الأعداد المنطوقة في العالم، رأينا أنه لا يمكننا أن نجد أي سمات عامة في هذا الصدد، مما يناقض التوقعات القديمة المتمثلة في وجود مفردات محددة للأعداد في جميع اللغات. علاوة على ذلك، فقد رأينا أن اللغات تختلف في كيفية تأسيس أنظمتها العددية؛ فبعض هذه الأنظمة محدود النطاق بعض الشيء، وبعضها كنظامنا الذي قد يكون لا نهائيا . وقد رأينا أيضا أن اللغات الأصلية تتضمن في بعض الأحيان أعدادا أكثر مما توحي به الانطباعات الأولية، مثلما هي الحال في لغات أستراليا أو الجاراوارا على سبيل المثال. إن التوثيق اللغوي المتأني يوفر لنا صورة أدق للأعداد في العالم.
بالرغم من ذلك، تتراكب فوق هذه الصورة المتبلورة لتنوع الأعداد أنماط واضحة، تتجلى في الأعداد المنطوقة بالعالم. وهي أنماط بسيطة تتمثل في أن مفردات الأعداد غالبا ما تشتق من المفردات التي تعبر عن الأيدي، وهي توضح عادة تقسيم الكميات إلى خمسات أو عشرات أو عشرينات، أو بعض التوليفات الأخرى منها. وهذه الحقائق البسيطة التي تتجلى في اللغات القديمة والمعاصرة في جميع القارات الآهلة بالسكان، تشير إلى أن أساسات الأعداد هي تمثيلات لفظية لبعض المفاهيم التي تتضح لنا بصورة أفضل من خلال تجسيد الكميات. وقد أصبح هذا التجسيد ممكنا بفضل مجموعات العناصر التي نشهدها في الطبيعة باستمرار، والتي تكمن على أطراف أصابعنا حرفيا في انتظار من يستوعبها. (وسنتناول كيفية حدوث هذا «الاستيعاب» على وجه أكثر تحديدا، في الفصل الثامن.) إن أصابعنا المتمايزة والمتناظرة، قد مكنتنا من تجسيد المفاهيم المجردة التي لا يمكن إدراكها بشكل كامل، مما سهل عملية انتقال تمثيل الكميات إلى أفواهنا، ومن ثم إلى عقول الآخرين.
23
الفصل الرابع
ما بعد مفردات الأعداد: أنواع أخرى
من اللغة العددية
إن الأعداد تحكم جملنا، حتى الكلمات التي أكتبها الآن وأعبر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها بالإنجليزية وفهمها إلا من خلال الإشارة المستمرة إلى كمية العناصر، أو المفاهيم التي تتحدث الجملة عنها. فلأعد إلى الوراء وأعد عليك تلك الجملة، مع توضيح أجزائها التي تشير إلى كميات: حتى الكلمات التي أكتبها الآن وأعبر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها بالإنجليزية وفهمها، إلا من خلال الإشارة المستمرة إلى كمية العناصر أو المفاهيم التي تتحدث الجملة عنها. ثمة ما لا يقل عن أحد عشر موضعا في هذه الجملة وحدها اقتضت فيها قواعد اللغة أن أميز كمية «الأشياء» التي أتحدث عنها. وليست هذه الجملة بمثال غريب في هذا الصدد، وليست اللغة الإنجليزية بغريبة في إشارتها إلى الكميات؛ فالعديد من اللغات تتطلب باستمرار وجود إشارات نحوية إلى الكميات التي تتحدث عنها جملها أو إلى كمية الأشخاص المشتركين في أحد التفاعلات (مثل «أنا» أو «نحن»). وفي هذا الفصل آمل أن أقدم لك نبذة عن مدى أهمية هذه الاختلافات العددية في لغات العالم. سوف نرى أن العدد النحوي هو أمر شائع للغاية، وأنه يعكس أيضا نقطة مهمة بشأن طبيعتنا البيولوجية، غير أنه يختلف عن كلمات الأعداد في أنه يخبرنا عن طبيعتنا البيولوجية العصبية لا عن أيدينا.
تبدأ هذه المناقشة بمقدمة عامة عن العدد النحوي، وذلك قبل أن نطرح بعض الاستنتاجات الأساسية بشأن الطبيعة البيولوجية العصبية للبشر، والتي يبدو أنها تحفز استخدام الأنماط التي تظهر في المقدمة، ولو كان ذلك بشكل جزئي على الأقل. وبصفة أساسية، فإن هذا الاستعراض يمثل رحلة نمر فيها بالأعداد التي لا توجد كلمات عددية تعبر عنها (كالتي تناولناها في الفصل الثالث)، ولا هي أعداد مكتوبة.
نامعلوم صفحہ