فقال أبو سلمة وقد تلعثم لسانه من شدة التأثر: «أفصح؛ لقد شغلت بالي.»
فقال صالح: «قد عرفت هذا اليهودي خازنا عند أبي مسلم، وعلمت من دهائه ومكره ما أكد لي أن أبا مسلم يعول عليه في التجسس على الأمراء بالاحتيال. لا ريب عندي في ذلك مطلقا.»
فقال أبو سلمة: «وما العمل الآن؟»
فقال صالح: «لا بد من القبض عليه أو قتله حتى لا يستطيع إبلاغ خبرنا إلى أبى مسلم.»
فقال أبو سلمة: «نعم الرأي ما رأيت.» ثم صفق فدخل حاجبه، فقال له: «هل تعلم المكان الذي سار إليه العراف الحراني؟»
فقال الحاجب : «كلا يا مولاي، ولكنني رأيته ركب نحو الكوفة، وقد ساق بغلته بسرعة كبيرة.»
فنظر أبو سلمة إلى صالح كأنه يستطلع رأيه، فقال صالح: «أظنه نازلا في بعض الحانات هناك، أو في بعض منازل اليهود أو معابدهم.»
فالتفت أبو سلمة إلى الحاجب وقال: «ادع لي أبا ضرغام العيار.»
فخرج الحاجب وقد استغرب صالح طلب أبي سلمة فقال له: «وهل تنوي إرسال العيار في طلب اليهودي؟»
فقال أبو سلمة: «نعم، فإن هذا العيار وجماعة تحت أمره من نخبة العيارين قد ادخرتهم لمثل هذه المهمة؛ لسرعة حركاتهم واطلاعهم على خفايا الناس.» ولم يتم كلامه حتى عاد الحاجب ووراءه رجل عاري الصدر والظهر، مكشوف الرأس، حافي القدمين، وليس عليه من الثياب إلا سراويل قصيرة من الخيش المتين كالجلد، وقد علق بكتفه مخلاة مملوءة بالحصى، وفي يده اليمنى مقلاع، وفي يده اليسرى قطعة من الخبز، وهو يمضغ كأنه دعي وهو على المائدة فنهض وبقية الطعام في يده، فوقف بين يدي أبي سلمة بغير احترام كأنه واقف مع بعض رفاقه على ضفة الفرات، فابتسم له أبو سلمة وقال: «هل تعرف الكوفة يا أبا ضرغام؟»
نامعلوم صفحہ