إذ ليس كل من تربى في بيت من بيوت العلم والدين والوجاهة بصادف عن اللذات والشهوات، أو بعاكف على الصوامع والدور التي يسميها المحابس، والأمثلة فيما نراه وفيما نقرأه كثيرات.
وليس كل عربي تمنعه صيانة العرض أن يعاقر الخمر ويستطيب المجون، فإن امرأ القيس وطرفة والأعشى عرب في الصميم من العروبة، ومجونهم مع ذلك كمجون الشعراء من أبناء الأمم الأخرى في عهود الجاهلية وعهود الأديان.
وليس كل ضرير عازفا من مواقع الشبهات، فإن بشارا قد ولد ضريرا وإنه لأسبق إلى الشبهات من المبصرين.
وليس كل ضعيف البنية معرضا عن حظوظ الأقوياء والأشداء؛ إذ ربما كان ضعف البنية سببا إلى الإفراط في التماس تلك الحظوظ، لأنه يضعف الإرادة فلا تقوى على كبح سورات الطبع ووساوس الإغراء، وكذلك ليس المتكبر مترفعا أبدا عن الطرب والسرور؛ لأنه إذا كان بصيرا لم يكن في طربه وسروره ما يجلب عليه السخر والمهانة، أو يعرضه للتغامز والتقريع بل لعله يرضي كبرياءه أحيانا من طريق غزوات الحب ومظاهر البذخ والثراء. •••
أما إذا اجتمعت هذه الأسباب كلها فمن الصعب أن يفلت الطبع الواحد من أوهاقها، ومن الصعب أن يوفق بينها جميعا إلا كما وفق بينها أبو العلاء، أي باجتناب الدنيا والتزام العزلة والقناعة.
لكن افتراقها كان ميسورا لا استحالة فيه، فلم يكن ضربة لازب أن يصاب أبو العلاء بالجدري في طفولته الباكرة، ولم يكن ضربة لازب إذا أصيب به أن يفقد بصره وأن يعيش بعد ذلك رهن المحبسين. وماذا يبقى من معيشة أبي العلاء أو من فلسفته في المعيشة إذا لم يكن رهن المحبسين؟
أكبر الظن في هذه الحالة أنه كان يجمع بين النواسية والخيامية في نمط واحد، أو كان يخرج لنا نمطا جديدا يضاف إلى نمط النواسي ونمط الخيامي في ديوان الآداب الشرقية، ويكون لا ريب نمطا بديعا خليقا بذلك الذهن الوقاد وذلك الطبع الأصيل.
وفي المعري جميع العناصر التي تخرج منه ذلك النمط البديع، ونعني به النمط الذي يذكرك عمر الخيام أو يذكرك الحسن بن هانئ قبل أن يذكرك أبا العلاء الذي عهدناه ودرسناه.
عنده الشك في أخلاق الناس وعقائدهم، فهو القائل:
ما فيهم بر ولا ناسك
نامعلوم صفحہ