لعل الساعة الوحيدة التي داومت عليها من حياتها الغابرة هي انطلاقها إلى الخارج في الأصيل من كل يوم. ولكنها الآن تطيل الوقوف أمام المرآة المصقولة، أصلها ثابت في الحوض الذهبي، وفرعها سامق في سماء الغرفة. وكانت قد فرغت من ارتداء ملابسها وأخذت زينتها، فبدت امرأة جديدة كأنما ولدت في أحضان النضارة، ونمت وترعرعت في مطارف الجاه والنعيم؛ على الرأس عمامة بيضاء مرتفعة في تقوس كالخوذة، عقص تحتها شعرها المدهون العبق، الخدان والشفتان مصبوغتان بالحمرة على خلاف بقية الوجه خلا من الأصباغ، بعد تجربة طويلة دلت على أن بشرتها البرنزية أفتن للجنود الحلفاء وأحب إليهم، الأشفار مكحلة والأهداب مدهونة مفصلة تهدف إلى عل أطرافها الحريرية، وعلى الجفون ظلال بنفسج مقطرة من نسائم الفجر، هلالان مزججان خطتهما يد ماهرة مكان الحاجبين، سلسلتان من البلاتين ذات نبقتين من اللؤلؤ تتدليان من الأذنين، غير ساعة ذهبية في معصمها وهلال منغرس في مقدم العمامة .. فستان أبيض يشف أعلاه عن قميص وردي وتنضح حاشيته بسمرة فخذيها، جورب رمادي من الحرير الخالص لبسته لا لشيء إلا غلو ثمنه، وقد تطاير شذا عبق من تحت إبطيها وراحتيها وعنقها. فلشد ما تغير كل شيء! •••
ولقد اختارت سبيلها من بادئ الأمر بمحض إرادتها، وبعد تجربة وعناء، تكشف لها أفقه عن أفراح وضاءة وخيبة مريرة، فوقفت على قمة الامتحان تردد عينيها بين اليمين والشمال متلهفة.
علمت من أول يوم ما يراد بها، فثارت غاضبة هائجة، لا لتكسر إرادة عشيقها الحديدية، ولكن استسلاما لداعي عجرفتها وإشباعا لغريزتها المتعطشة للعراك، ثم أذعنت بعد ذلك وكأنها تذعن بمحض مشيئتها. وأدركت بوضوح وبفضل بلاغة فرج إبراهيم أنها لكي تتمرغ في التبر ينبغي أن تتمرغ في التراب، فلم تبال شيئا، وفتحت صدرها للحياة الجديدة بحماس وسرور وهمة، حتى صدق عليها عشيقها يوم وصلها بالتاكس إلى حيها من أنها «عاهرة بالفطرة!» وتجلت مواهبها فبرعت في فترة قصيرة في أصول الزينة والتبرج، وإن سخروا أول الأمر من سوء ذوقها، فكانت سريعة التعلم محسنة للتقليد، ولكنها سيئة الاختيار لألوان ثيابها وفي ميلها إلى الحلي تبذل ملموس. ولو كان ترك الأمر على ما تشتهي وتحب لتبدت وكأنها «عالمة» في زواقها الفاقع وحليها التي تكاد تغطي جسمها. وفيما عدا ذلك فقد تعلمت الرقص بنوعيه، ودلت على مهارة في تعلم المبادئ الجنسية للغة الإنجليزية. ولم يكن النجاح الذي جاءها يجر أذياله بمستغرب، فتهافت عليها الجنود وتساقطت عليها أوراق النقود، وانتظمت في سلك الدعارة لؤلؤة منعدمة النظير. وبدا لها أنها فازت بكل شيء، وأنها لم تخسر شيئا، فلم تكن في عهدها الأول بالساذجة فتأسى للخدعة التي أطاحت بها، ولم تكن بالفتاة الطيبة فتذهب نفسها حسرات على ما فقد من أمل في الحياة الطيبة، ولم تكن بالفاضلة حقا فتبكي على شرفها المثلوم، ولم تشدها إلى ذلك الماضي ذكرى حسنة يهفو إليها الفؤاد، فانغمرت في حاضرها المحبوب لا تلوي على شيء. وعلى العكس من ذلك كانت غالبية الفتيات اللاتي يضطربن في مضمارها؛ فمنهن جماعة يتطاحن في قلوبهن الأسى والطمع والشقاء واليأس، ومنهن بائسات يشقين ليقمن أود أسرات جائعات، ومنهن تعيسات يخفين تحت شفاههن المصبوغة قلوبا دامية، ونفوسا حنانة إلى الحياة الفاضلة؛ أما هي فقد طابت بحياتها نفسا، وأذكت عيناها الفاتنتان ضياء الزهو والحرية والرضا والفرح، ألم تتحقق أحلامها؟! بلى، والثياب والحلي والذهب والرجال المتهافتون آيات على ذلك، ناهيك بهذه السطوة السحرية التي دان لها المعجبون .. أفمن الغريب بعد ذلك أن يلوح المدق كما يلوح السجن للآبق الطليق؟ ولقد ذكرت يوما كيف أسفت فيما مضى على رغبة عشيقها عن الزواج منها، وتساءلت: أكانت تفضل حقا أن تتزوجه؟ وجاءها الجواب بالنفي بلا تردد. ولو تحقق ذاك الزواج لكانت الآن قابعة في بيت، دائبة على القيام بدور الزوجة والخادم والأم، وغير ذلك من الواجبات التي تدري الآن عن تجربة ويقين أنها لم تخلق لها. فلله ما أبرعه وما أفطنه وما أبعد نظره! ومع ذلك أقول حذار! .. إياك أن تتصورها امرأة شهوانية، تستحوذ عليها شهوة طاغية! هي أبعد ما تكون عن ذلك! والحق أن شذوذها لا يكمن في قوة شهوتها. لم تكن من هذه الطائفة من النساء اللاتي تستأسرهن الشهوة وتستذلهن فيجدن بكل غال في سبيل إرضائها، كانت تتلهف بروحها وجسمها على الظهور والسطوة والعراك، وكانت - حتى بين ذراعي الرجل الذي محضته الحب - تتلمس أنامل الحب خلال اللكمات والصفعات، وقد باتت شاعرة بهذا الشذوذ في عواطفها، أو هذا النقص في طبيعتها، وكان ذلك من دواعي تماديها واستهتارها، بيد أنه كان ذلك من أسباب تعلقها بعشيقها، وعن هذا التعلق نجمت الخيبة المريرة التي منيت بها. •••
كانت تجتر خواطر هذه الخيبة وهي ماثلة أمام المرآة تأخذ زينتها، ثم طرق أذنيها وقع خطاه - ذلك الرجل - رأت صورته في المرآة وهو يقتحم عليها الغرفة بوجه جامد رزين كأنه لم يكن ذاك العاشق الولهان، فتحجر بصرها وتشنج قلبها. لم يعد الرجل الذي عرفته من قبل، وهذه هي الخيبة المريرة، ولو طال به العهد لربما هان الخطب بعض الشيء، ولكنه دهمها في نشوة الأيام الأولى، فلم تنعم بحبه خالصا في لذة وسعادة وحلم وخيال وهناء وأمل، إلا زهاء عشرة أيام! ثم غلب المدرب فيه على العاشق، ومضى يتكشف رويدا عن التاجر، ذلك الرجل القاسي الفظ الذي يتجر بالأعراض. والواقع أن قلبه لم يعرف الحب قط، ولعله من الغريب أن تقوم حياته على هذه العاطفة التي لم تحرك فؤاده أبدا. وكانت طريقته إذا أوقع فريسة في شباكه أن يمثل معها دور العاشق - وهو ما أتقنه بطول الممارسة وأسعفته عليه فحولته - حتى إذا استنامت إليه تمتع بها فترة قصيرة، ومن ثم يطمئن إلى سيطرته عليها بما يبعثه فيها من تعلق به وما يكبلها به من قيود مالية، ثم بما يتهددها عادة من رقابة القانون! .. فإذا تم له سعيه بدا على حقيقته، وتمخض العاشق عن تاجر الأعراض . ولقد عزت حميدة فتور عاطفته إلى الجو المشبع بأنفاس النساء الذي يعيش فيه، فانقلبت ولا هم لها إلا الاستئثار به، وصار همها هذا شغلها الشاغل الذي نغص عليها صفوها، فباتت فريسة للحب والغيرة والغضب. واستحوذت عليها هذه المشاعر جميعا وهي تنظر إلى صورته التي تطالعها على صفحة المرآة، فتحجر بصرها وتوثبت إرادتها وتوترت أعصابها. أما هو فقال بلهجة سريعة متظاهرا بالعجلة: أنتهيت يا عزيزتي؟
ولكنها لم تعبأ به، وتعمدت ألا تجيبه استكراها لما يبدي من ملاحظات عن «العمل»، وتذكرت بحسرة عهدا لم يكن يحدثها إلا عن الحب والإعجاب؛ الآن لا تنفرج شفتاه إلا عن العمل أو الربح! .. والآن لا تستطيع عنه فكاكا بحكم هذا العمل، وبطغيان عواطفها نفسها. وإن الغضب ليملأ صدرها، ولكن ماذا يجدي هذا الغضب؟! .. لقد فقدت حريتها التي استباحت في سبيلها كل منكر. وإنها ليداخلها شعور بالقوة والسيادة ما دامت في الطريق أو الحانة. حتى إذا رأته أو ذكرته حل محل هذا الشعور الباهر إحساس بالأسر والذل. ولو اطمأنت إلى قلبه لهان كل عسير، فذل الحب في أعماقه ظفر، أما والحال غير ذلك فما تدري إلا الجنون مهربا من حيرتها، وكان فرج إبراهيم يعلم بما يختلج في صدرها، ولكنه كان يريدها على أن تعتاد جفوته لتحسن التسليم بالقطيعة المرتقبة. ولو كانت امرأة أخرى لهان عليه هجرها بغير عناء، ولكنه آثر أن يجرعها كأس القنوط نقطة فنقطة، واستوصى بالصبر والأناة شهرا طويلا، حتى بات متأهبا للضربة الحاسمة، قال بلهجته العارية عن العاطفة: هيا يا عزيزتي فالوقت من ذهب.
فصرفت وجهها إليه بعنف وقالت بحدة: هلا أقلعت عن هذه العبارات السمجة؟! - هلا أقلعت أنت يا عزيزتي عن الإجابات الجافة؟!
فتهدج صوتها غضبا وهي تقول: أهكذا يحلو لك أن تخاطبني الآن؟!
فتظاهر بالملل وقال: أوه .. أنعود مرة أخرى إلى هذا الحديث الممجوج؟! «تخاطبني بهذه اللهجة» .. «أنت لا تحبني» .. «لو كنت تحبني لما اعتبرتني مجرد سلعة!» .. ما جدوى هذا الكلام؟ .. ألا أكون عاشقا إلا إذا رددت صباح مساء «أنا عاشق»؟ .. ألا أكون محبا إلا إذا بادرتك كلما التقينا «أحبك»؟ .. ألا يكون حب إلا إذا شغلنا بحديث الحب عن عملنا وواجباتنا؟ .. أحب أن يكون عقلك كبيرا كغضبك، وأن تكرسي حياتك - كما أكرس حياتي - لعملنا العظيم، وأن تجعليه فوق الحب نفسه وفوق كل شيء.
وأصغت إليه بوجه مصفر من الغضب. هذا كلام بارد فاتر، هذه مراوغة لا أثر فيها لعاطفة، ولقد بلت مثل هذا الكلام من قبل، وكادت تألفه مذ آنست منه الفتور. وإنها لتذكر كيف بدأ الماكر بنقدها متعمدا، فكان يفحص يديها بعناية، ويحثها على المزيد من الاهتمام بهما قائلا: «أطيلي أظافرك واصبغيها بالمنيكور .. يداك نقطة ضعف في جمالك!» وقال لها مرة أخرى متشفيا وقد طال بينهما الجدل: «حذار، هذه نقطة ضعف أخرى ما فطنت لها من قبل، صوتك يا عزيزتي .. ازعقي إذا شئت من الفم لا من الحنجرة، فهذا صوت خشن فظ، ولو أهملناه بلا تهذيب وترهيف فظع، ولعله أن يذكر السامع بالمدق ولو كنت في عماد الدين!» هكذا تكلم الفاجر! .. لشد ما آلمها قوله وأذل قلبها الفخور. وظل يصطنع معها المراوغة والملاينة كلما طرقت حديث الحب، ولكنه بكرور الأيام أسقط من تمثيله حتى هذه الملاينة الكاذبة، وربما قال لها في ملل: «الحب لعب ونحن جادون!» أو قال بغير مبالاة: «هلمي إلى العمل .. الحب كلام فارغ.» تبا له، لشد ما ملأ وعاء خيالها بالذكريات الأليمة! وقد حدجته بنظرة قاسية وقالت بحدة: كلامك هذا لا يجوز علي، لماذا تذكرني دائما بالعمل؟ ألاهية عنه أنا؟! إنك لتعلم أني أفوق الأخريات وأبرع عليهن، وإنك لتربح من كدي أضعاف ما تربح من كثيرات مجتمعات، فاهجر هذا الحديث المعاد الممجوج، وخبرني صراحة فقد ضقت باللف والدوران. أما زلت تحبني؟!
وحدثته نفسه بأن يقذفها بالجواب القاطع! ألم يمهد له بما فيه الكفاية؟ .. ونشط فكره في سرعة وقلق وعيناه اللوزيتان لا تتحولان عن وجهها الغاضب، ولكنه تردد وآثر السلامة ولو إلى حين، فقال يداريها: عدنا كما توقعت إلى الحديث القديم!
Bilinmeyen sayfa