وفي يوم دخل ثروت إلى الصالون وكنت أطلي أظافري، فجلس إلى جانبي وطلب مني أن يقوم هو بذلك، وطبعا المقصود لم يكن المساعدة، وإنما المقصود هو تلامس الأيدي، وكان هذا هو نوع الغزل في فترة الخطوبة، وكنا لا نخرج وحدنا أبدا أيام الخطوبة التي دامت سنتين، وإنما كان خروجنا مع أبي وزوجته ومع أعمامي وزوجاتهم، هكذا كانت التقاليد في هذا الزمن.
وكنت أسأل نفسي هل أستحق منه هذا الحب؟ وكنت دائما أجيبها بغرور الشباب واعتقادي أن مثلي يجب أن يحب إلى هذه الدرجة بل وأكثر. ولكن مثلي دائما تهزه العواطف الجياشة الصادقة التي يحسها من قلب محب، فلقد وجدتني يوما وبدون سابق إنذار أشعر بتناقض غريب في مشاعري؛ أحسست بأن هذا الثلج الذي تراكم على قلبي كاد أن يذوب، إنني لم أكن أتصور أن قلبي سيخفق يوما بالحب، ولكن إذا بي وبعد شهور أسأل ابن خالي وكان أخا وصديقا: هل يمكن أن يكون تفكيري الدائم فيه حبا؟ وهذا القلق إذا غاب والفرح إذا أقبل أيكون هذا هو ما يسميه الناس بالحب؟ وهذه الخفقات التي تعلو حتى يكاد يسمعها الناس من حولي وهذا اللهيب الذي يطفو من القلب إذا هو ناداني أو نطق باسمي، إذا كان هذا هو الحب فأهلا به بعد طول الغياب.
وكانت أيام الخطوبة تعني بالنسبة لي لهفة وحبا من الخطيب، وهدوءا ورزانة من الخطيبة، وليس عليها أن تبدي مشاعرها بل عليها أن تستقبل المشاعر الجياشة بشيء من الكبرياء، وكنت لا أسمع منه إلا الكلمات الحلوة الرقيقة، ولكن للأسف لم يكن في مقدوري أن أسمعه بدوري كلمات جميلة؛ فقد كانت تقف في حلقي وتظل حبيسة به. وبقيت على هذه الحال بعد زواجي بسنوات طويلة. ولو كان يسمع نغمات قلبي وخفقاته لشعر بالزهو والثقة بالنفس. وإني لأندم الآن لأنني حرمته من المشاعر التي يحب الشباب أن يشعروا بها، وأنني ظلمته. ومشكلتي كانت في كبريائي وخجلي، وما حيلتي؟ فهذا هو قدري. ومع أني ألوم نفسي الآن بعد ما علت بي السن، وأقول يا ليتني ويا ليتني ... غير أنني واثقة أنه لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت غير الذي كنته، وتذكرت بيت الشعر الذي تعلمته من أبي وأنا طفلة وهو:
دلائل الحب لا تخفى على أحد
كحامل المسك لا يخلو من العبق
فما حاجتي للكلمات؟
وقد لامني إخوتي على ذلك؛ أختي الكبرى فردوس وأخي واثق، وقالا لي: إنك تعاملينه بشراسة، وهذا طبعك منذ طفولتك؛ فقد كنت دائمة الشجار معنا ومع أقاربك الذين من سنك، ولم أفصح لهما بالطبع عن أسباب هذه المعاملة.
وبدأ الإعداد للزواج، ولم يقبل أبي المهر من دسوقي باشا كما فعل مع أختي الكبرى، ولكن زوجة أبي - ولا أحب أن أدعوها كذلك لأنها أم بكل ما تحوي هذه الكلمة من معان - تدخلت وأصرت أن يحترم أبي التقاليد؛ فوافق أبي على مضض واشترى لي بالمهر «بروشا» من الماس، ولكن للأسف لم أتزين به لأنه كان كبير الحجم وأكبر بكثير من «البروشات» التي تتزين بها صديقاتي، وأقيم الفرح في منزل دسوقي باشا، وكان المدعوون من السيدات فقط، وأما الرجال فكانوا أقرب المقربين لي ولثروت، وكانت «الكوشة» عبارة عن ستائر من الحرير الأبيض مطرزة بالخيوط الذهبية، وكانت زوجة أبي قد قضت صباح يوم الفرح في إعدادها.
وبدأت الزفة، وهي في نظري الدقائق العصيبة التي تمر بها كل فتاة، يقولون: إن هذه الدقائق لا تحسب من العمر، وهي فعلا لا تحسب من العمر لأنها تخرج الفتاة عن الشعور بالحياة، فأمام كل هذه العيون التي تنظر في لحظة واحدة إلى شيء واحد لا يسعها إلا أن تكف عن الحياة، وبينما أنا خارج الحياة لم أر إلا عيون أبي تتابعني وبجانبه أم كلثوم، واستطعت أن أسمع أغنية الزفاف التي سمعتها أجيال من قبلي وسيسمعها أجيال من بعدي. وبعد انتهاء السهرة جاءت زوجة عمي أحمد وقالت لي: هيا غيري ملابسك لتذهبي مع زوجك إلى فندق مينا هاوس، فقلت لها: ولكنني لم أستأذن أبي ولا أعمامي، فنظرت إلي طويلا لتتأكد أنني لست بلهاء. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الإسكندرية، وبدأ شهر العسل، ونزلنا في فندق البوريفاج ، وهو من أهم الفنادق هناك، وأخذنا نتجول في البلد، وذهبنا إلى محل هانو ، وكان صورة طبق الأصل من محلات باريس، ولفت نظري نوع من العطر، وقلت: إنني أحب هذا العطر ولم أشتره لأنني كنت قد اشتريت في جهازي كل ما أريده ولا ينقصني شيء، ولما عدنا إلى الفندق قدم لي ثروت هذا العطر الذي أعجبت به، وبدلا من أن أفرح به وأشكره قلت له في سخافة: لماذا اشتريته؟ فقد كنت أستطيع أنا أن أشتريه، ولكني تذكرت أن عندي منه ما يزيد عن حاجتي. ولن أقول ماذا حدث، غير أنني أستحق منه أي رد فعل ممكن؛ فهو شاب في الثالثة والعشرين من عمره وتزوج منذ يومين ويريد أن يشعر أنه زوج وأنه مسئول عن زوجته، فقد صدمت عنده كل هذه المشاعر بغطرستي، وقضينا أسبوعا ولم أكن أتناول فيه من الطعام إلا الشاي، ونزل وزني خمسة كيلوجرامات؛ لأنه في اعتقادي أنه لا يصح أن يتكفل هو بمصاريفي، إلى أن جاء عمي أحمد وزوجته إلى الإسكندرية ودعونا على العشاء في مطعم معروف هو «سانتا لوتشيا» وأكلت وعوضت الأيام التي لم أتناول فيها الطعام لأن عمي هو الذي دفع. وكان يحلو لثروت أن يروي هذه القصة فيما بعد ويقول يا ليتها بقيت كما كانت في شهر العسل. وطبعا مع مرور الزمن تغيرت هذه الأفكار نهائيا.
وانتهى شهر العسل على خير وعدنا إلى بيتنا الجديد في الزمالك في شارع الكامل محمد، وكانت شقة أثثتها زوجة أبي بذوقها الرفيع. وفي أوائل أيام زواجنا ذهب ثروت إلى أبي ليسأله عن المبلغ الذي يكفي مصاريف بيتنا في شهر، فكان أبي رحيما به وحدد مبلغا يكفينا أكثر من أسبوع؛ لأننا كنا نذهب إلى السينما مرتين في اليوم على الأقل، ونذهب إلى المسرح مرتين أو ثلاثة في الأسبوع، ونتناول غداءنا أحيانا في مطعم «نيو كورسال» وعشاءنا في كازينو الحمام، وبعدما تنفد مرتباتنا يمسك كل منا التليفون لأبيه فيلقنوننا درسا طويلا في التدبير ثم يهبون إلى نجدتنا.
Bilinmeyen sayfa