فقالت ضاحكة: أأقوله وأنا جائعة؟!
وقام يلقي رداءه على كتفه، فقالت: إلى أين؟
فقال: إلى حاجب بن زرارة.
وكان حاجب سيد قومه بعد موت أبيه زرارة الذي كان صاحب عمرو بن هند لا يكاد يفارقه، حتى لقد أمنه على ولده أسعد بن عمرو ليقوم على تنشئته بالبادية. وكان أسعد يلعب يوما بقوس، فرمى ناقة في ضرعها، فجاء صاحبها التميمي وعدا عليه فقتله ثم هرب، فأسر الملك غضبته على تميم إعظاما لصاحبه زرارة، حتى إذا مات وجه جيشه إليهم ليقتص من قتل ولده.
ولكن حاجب بن زرارة لم يكن هناك، فإنه ارتحل منذ الصباح يضرب في الصحراء هربا من جيش عمرو بن هند. وكانت خيبة سيف عظيمة عندما عاد إلى طليبة يؤذنها بالرحيل من أواره، وسار في أعقاب الليلة بقلب ثقيل على درب العراق، لا يدري كيف يصل إلى كسرى.
الفصل الثامن عشر
قال الراوي:
خرج الناس ألوفا يتزاحمون في طرق المدائن عاصمة بلاد فارس، ينتظرون خروج كسرى أنوشروان العظيم من قصره ذاهبا إلى الميدان الأعظم الذي حشدت فيه الجيوش للعرض المنتظر. وكان في الميدان منصة عالية عليها بسط بديعة الصناعة ذات نقوش زاهية من صور الزهر والطير وصنوف الحيوان والوحش، أو مناظر فرسان يطاردون الصيد، والظباء الحائرة تعدو في ذعر، والسباع تفترس الأبقار الوحشية. وبثت فوق البسط وسائد من الحرير ذات ألوان شتى عليها نقوش بخيوط الذهب والفضة. وكان قائد الجيش الأعظم بابك بن البيروان يتكئ على المنصة في لباسه الحربي الفخم، تزينه حلية من الجوهر والذهب. وكانت الجموع المحتشدة تتجه بأبصارها نحو الطريق التي تهبط من ناحية القصر الملكي، تتطلع لرؤية الملك مقبلا في موكبه؛ ليعرض نفسه على القائد الأعظم بأنه الجندي الأول الذي يضرب المثل لطاعة الجندي لقائده. وكانت الجموع أخلاطا من فرس وكرد وعرب ومن أهل خراسان وسجستان وفرغانة، ومن الترك والديلم والكرج، يقفون جماعات وفرادى يتحدثون في لغات شتى تشهد باتساع دولة كسرى.
وكان سيف واقفا بين الناس إلى جوار شيخ عربي يلبس ثياب الفرس، ووجهه ينطق بالقلق الذي يساوره .
وقال سيف: أترى يخرج كسرى اليوم يا أبا عدي؟ أم نعود بالخيبة كما عدنا في اليومين السابقين؟
Bilinmeyen sayfa