بيد أنه حدث في هذه المرة كما حدث في السنة الماضية؛ أن خاب الرجاء في اكتساب جانب روما، وقد انعقد المجلس النيابي الإيطالي في 18 شباط وظلت الكتلة التي تؤيد الوزارة أكثرية ولم يمثل الإكليريكيون فيه إلا قليلا، وكان من بين أربعمائة وثلاثة وأربعين عضوا ثمانون عضوا في أقصى اليسار، ويدعون وقتئذ بالغاريبالديين، أما المعتدلون الجديدون فكانوا من أعضاء الوسط البيمونتي ومن الجمهوريين والغاريبالديين الذين أصبحوا من المعتدلين، والدستوريين الملكيين من الإيالات الجديدة، وكانوا يمثلون الفئة التي أيدت سياسة كافور في السنتين الأخريين، تلك السياسة التي أنقذت إيطالية الوسطى وأكسبت المملكة جنوب الوطن، ولم يكونوا أقل من الغاريبالديين حماسة للذهاب إلى روما وفنيسيه، إلا أنهم كانوا من ذوي البصيرة ويحرصون على أن يضمنوا الانتصار قبل أن تنازل قواتهم قوات النمسة، وكانوا يأملون أن يكسبوا روما من دون أن يغضبوا الدول الكاثوليكية، ومع كل التردد الذي كان يبدو في سياستهم والحيطة التي ترافق تصرفاتهم فإن سياستهم كانت خيرا من سياسة الغاريبالديين نظريا وعمليا.
وكان اليسار قد فتح صدره للسياسيين من شتى المذاهب، دموقراطيين واتحاديين وبوربونيين ... وكانت معارضة الحكومة وحدها تؤلف ما بينهم، أما الحزب الغاريبالدي القح فأعضاؤه أتوا من نابولي وألفوا جماعة متماسكة قوية بالسمعة التي حازتها سنة 1861، ثم إنها كانت تمثل الشعب القلق الطامح إلى الحصول على روما وفنيسيه، وكانوا يرفضون التأني والتفاهم من دون أن يكترثوا للصعوبات العسكرية والسياسية، وكانوا يعتقدون بسهولة تجديد الوقائع الموفقة التي نالها غاريبالدي من سفرته في صقلية ويريدون حشد المتطوعين لتمهيد الطريق نحو فنيسيه وأغروا رومانو.
أما إذا رفض منهاجهم للحركة فإنهم كانوا يطالبون من الحكومة بأن تسمح لهم بأن يعملوا مستقلين عن الحكومة، وبذلك تتجنب البلاد شقاقا أوشك أن يصبح شؤما في الخريف الماضي، إلا أنه مهما كانت هذه الجماعة ذات شأن خطير في البلاد فإنها كانت في البرلمان حزبا مهملا، ولكن المحذور الوحيد الذي كانت الحكومة تحسب حسابه هو احتمال تأليف معارضة من المركز تجتمع حول رتازي؛ إذ كانت العلاقات بينه وبين كافور لا تزال متوترة، وكان يستطيع أن يستخدم لباقته البرلمانية بدون ضوضاء يمد اليد الواحدة إلى الحزب البيمونتي الضيق التفكير واليد الأخرى إلى الغاريبالديين.
أما حزب اليسار القديم فلا يختلف في سياسته عن سياسة أنصار الوزارة، إلا أنه كان يحتفظ بتقاليد المعارضة باسم حزبه الأكثر والأقل، وهكذا انبعثت من هذه العناصر المتنافرة بالتدريج حزب ثالث قليل العدد، لا مبدأ يوحد أهدافه إلا أنه كان قويا بمفرده ومؤيدا من قبل أكثرية الرأي العام.
ومع ذلك فإن نسف مركز كافور كان أمرا صعبا مستحيلا؛ إذ جاهر بإخلاصه لمبادئ القوميين بأوسع معانيها وآفاقها، وظاهر المطالبين بروما وصرح بأن الأقطار الجديدة يجب أن تكون متساوية مع بيمونته فعاضده معظم الأحرار، ومع ذلك فإن تسيير الأمور في المجلس النيابي لم يكن بالأمر السهل، فالملك حين كان في نابولي وعد المتطوعين وعودا جريئة اعتبرها فانتي وزملاؤه القواد ماسة بكرامة الجيش؛ لأنها كانت تمنح رتبا لعدد كبير من الضباط المرتجلين غير المجربين، وقد اعترض كافور على قسم من مشروع الملك الذي يضع جيش الجنوب في موضع شبه المستقل، فاضطر الملك - بضغط الوزراء والجيش - إلى الإذعان وحضر نحو من ثلاثة آلاف وخمسمائة ضابط؛ أي نصف مجموع الضباط أمام لجنة لتدقيق حقهم في حمل رتبة في الجيش النظامي، ويلوح أنهم عوملوا بعدل إلى أن صدر أمر الحكومة في 11 نيسان بإحالتهم إلى التقاعد.
وقضى غاريبالدي الشتاء في كاربيره حانقا بسبب تسريح المتطوعين على تلك الصورة، ولكنه ظل يخلص للملك، وقد تخلى وقتئذ عن خططه المستعجلة بشأن روما وفنيسيه، وكان يحمل حقدا مستمرا على كافور إلا في فترات نادرة، ولا يتحول عن رأيه في إيجاد أمة مسلحة، تستطيع أن تقذف إلى الميدان عاجلا أو آجلا مليون رجل لفتح فنيسيه وروما، وإذا كانت الحكومة لا ترغب هي في القيام بهذا الواجب فإنه يطالب بأن يسمح له هو وأصدقائه بأن يمهدوا السبيل، وأن يجهزوا عددا من الحرس القومي وأن يقوموا بتنظيم التدريب على السلاح وتأسيس لجان تموين لجمع المال والسلاح. وقد وافق كافور وتساهل مع جميع هذه المشاريع إلى حد ما.
وترك غاريبالدي كاربيره في شهر نيسان، وبعد أن ألقى في جنوة خطابا طائشا تظاهر فيه بقلة الاحترام للملك وللبرلمان حضر بغتة إلى المجلس النيابي فاستوضحه ريكاسولي حقيقة الخطاب الغريب، ودعى الحكومة في الوقت نفسه لتسويغ القرار الجديد الذي أصدرته بشأن المتطوعين، ولما قام فانتي (وزير الحربية) وازدرى به بدلا من أن يجيب، انفجر غضب غاريبالدي الدفين وأطلق لنفسه العنان فهاجم الحكومة ووجه لها قارص الكلام متهما كافور بكل نقيصة، ومحتجا عليه قائلا بأنه لن يصافح يد الرجل الذي خلقه، وليس كافور سوى أجنبي يعيش في بلده «غاريبالدي» الخاص.
وأغضبت حركته الطائشة الجانب الآخر، فما كان من الجنرال جيالديني إلا أن نشر - بعد بضعة أيام - كتابا مملوءا بالوشايات أبدى فيه غضب الجيش والرأي العام على تصرفات غاريبالدي، ولما طلب هذا من جيالديني المبارزة أدرك المتزمتون من كلا الجانبين ضرورة إنهاء الحادثة، فهدأ مديجي وبيكسيو جأش غاريبالدي الذي شعر بخطئه، وتدخل الملك في التوفيق بين المتخاصمين، ثم تقابل كافور وغاريبالدي في 24 نيسان.
ومع أن المقابلة كانت باردة فكان الإخلاص يسودها وتلاها تراض أشد حرارة مع الجنرال جيالديني، ثم عاد غاريبالدي هادئا إلى كاربيره؛ حيث كتب منها إلى كافور كتابا وديا أبدى فيه موافقته على الحلف الإفرنسي، ورجا فيه بأن يسلح الأمة لكي تتضافر جميع الجهود في سبيل تحرير إيطالية.
ولكن كان كافور كئيبا في أثناء تلك الحادثة حتى قال بأنها سمته، وقد هدمت الأشغال الشاقة التي تحملها في خلال السنتين الأخيرتين بنيته، وكان منذ مدة يشكو الأرق والصداع، وظهرت عليه في نهاية شهر أيار أعراض مرض التيفود، وقد مضى ساعاته الأخيرة بالانكباب على أمور نابولي وقضاياها، وكان آخر رسالة بلغها لأصدقائه ضرورة تأمين حاجات منكوبي الجنوب، وكان آخر قوله: «بعثت إيطالية ونجى كل شيء.» ومات في 6 حزيران فبهتت البلاد أمام هذه الضربة المفزعة المفاجئة، وشوهد الناس يسكبون دموعهم في الطرقات وفي البرلمان وأعلنت تورينو الحداد عليه بالصمت وكأن وباء انتابها، لقد مات كافور في أتم نضوجه، وكان في الواحدة والخمسين من عمره، وقضى حين كانت البلاد في أشد الحاجة إليه، وهكذا أبى القدر في ساعة انتصار إيطالية إلا أن ينزل بها ضربة اهتزت لها فزعا وأسى.
Bilinmeyen sayfa