أما الذين كانوا يرون بأن عمل الدولة يجب أن يكون نافذا واسعا؛ فكانوا يطالبون بمركزية أكثر سعة، ومنهم من يرغبون في تمشية الأمور ويعارضون مشروع المناطق ويرون أن من شأنه أن يقيد نشاط الحكومة المركزية وتدخلها.
وفي الحقيقة أن البون الشاسع بين الشمال والجنوب كان يتطلب معالجة الأمور في الجنوب بتدابير خاصة، وفي صقلية قبلت اللجنة التي عينها غاريبالدي في آخر عهد دكتاتوريته بأن تمنح سلطات نائب الملك لنائب كل منطقة مما ينافي حقوق السلطة الإجرائية المركزية، أما في القارة فقد ألفت المنافع بين الاتحاديين والجمهوريين والبوربونيين في نابولي وجعلت منهم عصبة تصر على الاحتفاظ بالمؤسسات القديمة واتخاذ نابولي عاصمة.
واشتدت بعد ذلك حركة قوية تدعو إلى مضاعفة أهمية المناطق (ليس لتقليدها أهم سلطات الإيالة فحسب) بل بجعل المالية والإدارة فيها شبه مستقلة عن البرلمان والحكومة المركزية، وأنيط بمنجيني وزير الداخلية بعد تعيين فاريني لنابولي؛ أن يضع مشروعا جديدا، وكانت اقتراحاته - على العموم - تطابق في خطوطها العامة مشروع سلفه، فاستهدف في مشروعه تحوير الطريقة الإفرنسية بتخليص الناحية أو الإيالة في كل مراقبة مباشرة يقوم بها موظفو الحكومة المركزية، وينتخب النقيب (العمدة أو الوكيل) من قبل الناحية، وتصبح المجالس في الإيالات مستقلة عن الوالي، وتتمتع بصلاحيات أوسع من تلك التي اقترحها فاريني.
فمجلس المنطقة الذي ينتخب من قبل مجالس الإيالات يدير - بالاشتراك مع حاكم المنطقة - شئون التعليم العالي بما فيه مراقبة الجامعات والطرق الأميرية وأشغال النافعة الكبيرة، ويمارس بعض السلطات التشريعية المتعلقة بالزراعة، ويتمتع بحق اقتراح قوانين جديدة تعرض على البرلمان لتصديقها، وبهذا يكاد الحاكم أن يكون نائب الملك؛ إذ هو الذي يشرف على إدارة الولاية، ويمثل الحكومة المركزية في كثير من الأمور.
وكان منجيني يرى أن يجرب طريقة المناطق مدة من الزمن تساعد على الانتقال من الحالة القديمة إلى الحالة الجديدة، أما أنصار الحكم الذاتي فلم يعلقوا أهمية كبيرة على اقتراحات ترمي إلى تجزئة طوسكانه أو إدخال بارمه ومودينه في إميلية، ثم وجهت إلى المشروع معارضة وطنية شديدة من قبل الذين كانوا يخشون أن مشروع المنطقة يجر إلى فكرة الاتحاد ويصبح عثرة في سبيل تقوية المملكة وتوحيدها، وخشوا كذلك أن يصبح الحكام شبه المستقلين ساعتئذ خطرين جدا، مع أن الظروف في ذلك الوقت إنما تتطلب قيام حكومة مركزية متينة. ثم درس كافور الحالة وغير رأيه وعزم على الأخذ بالطريقة المركزية وتأجيل فكرة الحكومة المحلية إلى حين آخر.
وعلى الرغم من توسلات ريكاسولي سلبت طوسكانه استقلالها الإداري في 14 شباط وبعد مرور شهر قام بالعمل نفسه في نابولي وصقلية ثم حل وزارته، وألف وزارة جديدة وأدخل فيها أعضاء من ممثلي جميع الدول القديمة ، وقصر سياسته وقتئذ على تأسيس حكومة قومية واحدة قوية تخسر بها بيمونته كثيرا مما كانت تتمتع به سابقا، إلا أنه يقضي بذلك على اتهام تورينو بالجشع ويحصل على قرار من البرلمان باتخاذ روما العاصمة في المستقبل.
وأخذ شوق الناس إلى امتلاك روما وفنيسيه يزداد لهفة ويهصر حياة الأمة الداخلية في كل لحظة، وفيما يتعلق بفنيسيه فعلى الرغم من مطالبة غاريبالدي بالشروع بالهجوم في الربيع القادم؛ فإن الناس أدركوا ضرورة الصبر الآن، وبما أن غاريبالدي كان قد سرح الجيش النابولي وأن ما بقي منه ظل على إخلاصه لفرنسوا فقد خابت آمال كافور في مضاعفة قوة الجيش الإيطالي بإدماج القوات البوربونية فيه، فصحيح أن المملكة كسبت الأسطول النابولي، ولكن لم ينخرط في سلك الجيش الوطني غير ثلاثة آلاف ضابط وعدد قليل من الجنود، ولم يبق في اليد سوى أربعة آلاف من المتطوعين، وأخذ كافور يقول: «نحتاج في سبيل تنظيم الجيش إلى سنتين، فيجب أن نتمسك بالسلم طيلة ذلك الوقت.»
وقد صمم كافور على أن لا يعيد المعونة الضارة من فرنسة إلا إذا ألجأته الظروف إلى ذلك، ومع أن الحرب ضد النمسة من شأنها أن تعجل الاندماج بين الشمال والجنوب بقوة السلاح فإنه ظل يحذر المخاطرة ويسعى لمنع كل حركة اعتداء على فنيسيه من قبل القطعات غير النظامية، وكان يفضل أن ينال فنيسيه بطريقة المفاوضات السلمية مع النمسة على أخذها بقوة السلاح؛ لأنه كان يأمل بأن المصاعب الداخلية التي تجابهها النمسة وكثرة النفقات التي تتكبدها في سبيل الاحتفاظ بجيش كبير في فنيسيه ونمو الآراء الحرة في المجلس النيابي الجديد في فيينا، كل ذلك قد يؤدي إلى حل سلمي بين النمسة وإيطالية لقضية فنيسيه.
وقد صدرت رسالة أخرى في باريس في 14 كانون الأول توصي ببيع فنيسيه لإيطالية على أن تشتري النمسة مقابل ذلك إيالتي بوسنة والهرسك، ولما فشل الحل السلمي ولاح لكافور أن الحرب آتية عاجلا أو آجلا اختمر في رأسه مشروع الحلف مع بروسية، فأوفد الجنرال لامارمورا إلى برلين ليرفع الاقتراحات للملك الجديد ، وليقنع رجال الدولة البروسية أن الروابط الطبيعية بين إيطالية وبروسية تحتم عليهما بأن تصبحا صديقتين.
الفصل الثالث والثلاثون
Bilinmeyen sayfa