ولما اقتنع كافور بعدم إمكان نشوب ثورة في نابولي فكر في الخطة التي ربما احتفظ بها لتنفيذها عند الضرورة، وكانت هذه الخطة حاسمة جريئة ذات خطورة ترمي إلى فتح إيطالية بأجمعها وإعلان ملكية فيكتور عمانوئيل فيها، ولا سيما بعد أن خشي زيادة نفوذ الديموقراطيين المتطرفين وارتاب من تفاقم سيطرة غاريبالدي، وعليه فليس من سبيل للاحتفاظ بمكانة بيمونته وضمان بلوغ أهدافها إلا أن تكون في الصف الأول من الجهاد، وقد قال كافور: «إذا لم نكن نحن في فلتورنة
1
قبل أن يصل غاريبالدي إلى كاتوليكا
2
فستنهار الملكية.»
وقد رسم منهجا للعمل يقضي بإيفاد حملة كبيرة لفتح أومبريه والمارك؛ ابتغاء اكتساب جيش الملك الصيت الحسن، ولسحق قوات القائد الإفرنسي لامورسيبر والقضاء على أنصار آل بوربون، وتقضي الخطة بإيفاد الملك إلى نابولي على رأس قوة كبيرة إذا اقتضى الأمر لإبقاء غاريبالدي في الصف الثاني.
وكانت هناك أسباب أخرى تستدعي اتخاذ هذه الخطة، فلا يزال لدى آل بوربون جيش قوي يبلغ مائة ألف جندي، يضاف إلى هذا أن لاموسيبر قد يعير قسما من جنوده لتقوية الجيش البوربوني، فيضطر غاريبالدي إلى خوض غمار قتال عنيف قبل أن يصل إلى نابولي، وعمت إيالات البابا النقمة من سوء تصرف المتطوعين ولا سيما الأيرلنديين المغرورين الفاقدي النظام، وكان المتطوعون القوميون في الروماني وطوسكانه متحفزين لاجتياز الحدود، وقد سعى مازيني طول الصيف في نشاط عظيم للقيام بحركة زحف نحو أومبريه وكان لديه ستمائة رجل في جنوة وألف رجل في الروماني، ومثل ذلك في «سيجنه» بقيادة الجمهوري «نيكوتيره»، وقد وعد ريكاسولي بتجهيز رجال مازيني بالبنادق إذا لم يعارض كافور ذلك، وقد رحب غاريبالدي بهذا المشروع من كل قلبه، موقنا بأن جيوش الثورة ستزحف نحو روما.
ولما اطلع كافور على ذلك كانت الإنذارات الصاخبة الأجنبية قد أفزعته، بيد أنه كان يريد أن يظل مصانعا لرجال غاريبالدي من جهة وأن يستخدم متطوعي طوسكانه لتنفيذ خطته الخاصة من جهة أخرى، وقد اتصل بالملك ورجاه أن يوافق على تحريك الحملة ووعده بأن يضمن على مسئوليته عدم الهجوم على أي موقع فيه قوات إفرنسية، ولكن لافارينا أجابه باسم الحكومة بأنها لا توافق على حركة المتطوعين من جنوة للنزول في سواحل البابا أو طوسكانه بأي صورة كانت، ولكن هذه القوة تستطيع أن تسافر بمفرزات متفرقة صغيرة على أن تجتمع في خليج «أرانكي» بالقرب من ساردينية على أن تمر أولا من صقلية، فوافق برتاني على هذه الشروط ولم يبت فيما يتعلق بالمتطوعين في سيجنة، ثم سافر على رأس قوته معتزما العهد إذا تمكن من ذلك واثقا بقدرته على إقناع غاريبالدي بأن يتولى قيادة المتطوعين وتوجيههم نحو «الأهداف المطلوبة».
وقد ذهب مازيني إلى فلورنسة من دون أن يكون له علم بذلك العهد، وقرر بالاتفاق مع نيكوتيره اجتياز الحدود والهجوم على بيروزه، ولما اطلع كافور على هذه الأخبار خشي عاقبة هذه الاختلاطات واتخذ التدابير الصارمة ضدها، فأصدر فارينا بلاغا شديد اللهجة منددا بكل من يتدخل في شئون الحكومة، كما أنه لم يساعد المتطوعين على الحركة، وأوعز إلى كافور وريكاسولي بأن يسرح رجال نيكوتيره فورا، بيد أن ريكاسولي احتج على هذه الشدة المفاجئة، ثم تفاهم وكافور على أن يجرد المتطوعين من السلاح بهدوء ثم تتولى الحكومة تسفيرهم إلى صقلية.
وقد قوت هذه الحادثة - من دون شك - اقتناع كافور بضرورة الإسراع في الحركة، ولكنه كان يقدر أهمية عواقب هذه الحركة والعقبات التي تقف في وجهه، فهو إذا شرع في تنفيذ برنامجه من دون موافقة الإمبراطور فإن ذلك سيؤدي إلى بقاء الإفرنسين في روما مدة غير معينة، وقد يصبح الجيش الإيطالي وجها لوجه أمام القوات الإفرنسية، بينما تترقب النمسة الفرصة لجمع الأسلاب.
Bilinmeyen sayfa