20
وأقبل عمار بن ياسر إلى المدينة مهاجرا فنزل على مبشر بن عبد المنذر، وآخى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بينه وبين حذيفة بن اليمان، وأقام عمار عند مضيفه مبشر حتى أقطعه رسول الله موضع داره، وحتى بناها ثم انتقل إليها. وكان عطف النبي على عمار شديدا وحبه له قويا عميقا، وكان عمار يحس هذا الحب وذلك العطف، فيدفعه هذا الإحساس إلى تحمس في الإسلام كان يمتاز به من أكثر المسلمين، حتى كانت الأنظار تتجه إليه، وكانت النفوس كثيرا ما تفكر فيه، وربما لهجت به بعض الألسنة أحيانا، وكان عمار يتحامل على نفسه ويأخذها من الجهد في سبيل الله بأكثر مما كانت عامة المسلمين تأخذ به أنفسها.
أخذ رسول الله في بناء مسجده، واشترك المسلمون في هذا البناء، يرون اشتراكهم فيه خيرا لأنفسهم وبرا بها، ولم يكن رسول الله أقلهم جهدا ولا أيسرهم عناء في هذا البناء، فكان يحمل معهم اللبن
258
حتى يغبر وجهه الكريم وحتى يكثر عليه التراب. وكان المسلمون يحملون اللبن لبنة لبنة إلا عمارا فكان يحمل لبنتين لبنتين، وكان ينفق في ذلك من النشاط والمرح والرضا ما كان يملأ قلوب المسلمين إعجابا به، وقلوب المنافقين حقدا عليه، وكان يحمل لبناته وهو يتغنى: «نحن المسلمين نبتني المساجدا.» وربما رق قلب رسول الله لعمار، فيقبل عليه ويرفق به ويتلطف له، ويمسح عن وجهه وصدره التراب، حتى قال له ذات يوم وهو يمسح التراب عن وجهه: «ويحك ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية.» ووقعت هذه الكلمة من قلوب المسلمين موقعا غريبا، فنقشت في ضمائرهم وملأت نفوسهم هيبة لعمار وإكبارا له، ولم يقل النبي هذه الكلمة لعمار مرة واحدة، وإنما قالها له فيما يظهر غير مرة؛ قالها له في أثناء بناء المسجد، وقالها له بعد سنتين حين احتفر الخندق، وكان بلاء عمار في حفر الخندق مضاعفا كبلائه في بناء المسجد، وكان النبي يعمل مع أصحابه في حفر الخندق كأحد منهم، يحمل التراب والحجارة ويتغنى وهم يردون عليه:
لاهم
259
إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
Bilinmeyen sayfa