قال ابن إِسْحَاق: كان حمزة يقاتل يومئذ بسيفين، فقال قائل: أي أسد هو حمزة! فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها عَلَى ظهره، فانكشف الدرع عَنْ بطنه، فزرقه [١] وحشي الحبشي، مولى جبير بْن مطعم، بحربة فقتله.
ومثل به المشركون، وبجميع قتلى المسلمين إلا حنظلة بْن أَبِي عامر الراهب، فإن أباه كان مع المشركين فتركوه لأجله، وجعل نساء المشركين: هند وصواحباتها يجد عن أنف المسلمين وآذانهم ويبقرون بطونهم، وبقرت هند بطن حمزة ﵁ فأخرجت كبده، فجعلت تلوكها فلم تسغها فلفظتها، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: لَوْ دخل بطنها لم تمسها النار. فلما شهده النَّبِيّ ﷺ اشتد وجده عليه، وقال: لئن ظفرت لأمثلن بسبعين منهم، فأنزل اللَّه سبحانه وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ١٦: ١٢٦- ١٢٧ [٢] . وروى أَبُو هريرة قال: وقف رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى حمزة، وقد مثل به، فلم ير منظرًا كان أوجع لقلبه منه، فقال: «رحمك اللَّه، أي عم، فلقد كنت وصولًا للرحم فعولًا للخيرات» . وروى جابر قال: لما رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حمزة قتيلًا بكى، فلما رَأَى ما مثل به شهق، وقال: «لولا أن تجد [٣] صفية لتركته حتى يحشر من بطون الطير والسباع» . وصفية هي أم الزبير وهي أخته. وروى مُحَمَّد بْن عقيل، عَنْ جابر قال: «لما سمع النَّبِيّ ﷺ ما فعل بحمزة شهق، فلما رَأَى ما فعل به صعق.
ولما عاد النَّبِيّ ﷺ إِلَى المدينة سمع النوح عَلَى قتلى الأنصار، قال: لكن حمزة لا بواكي له. فسمع الأنصار فأمروا نساءهم أن يندبن حمزة قبل قتلاهم، ففعلن ذلك، قال الواقدي: فلم يزلن يبدأن بالندب لحمزة حتى الآن. وقال كعب بْن مالك يرثي حمزة، وقيل هي لعبد اللَّه بْن رواحة [٤]:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل