وأرادت فرنسا أن تستولي استيلاء حقيقيا تاما على السلطة التشريعية، فأصدرت مرسوما من رئيس الجمهورية الفرنسية مؤرخا في 10 نوفمبر 1884 جاء فيه: «يفوض رئيس الجمهورية الفرنسية المقيم العام للموافقة باسم الحكومة الفرنسية على الأوامر العلية (المراسيم) التي يصدرها سمو الباي، ولإعطاء هذه المراسيم القوة التنفيذية داخل القطر التونسي»، فأصبحت بذلك جميع المراسيم التي يصدرها سمو الباي لا مفعول لها إلا بعد توقيع المقيم العام الفرنسي عليها. ثم اختصرت الإجراءات بأن صارت الإقامة العامة، هي التي تعد جميع المراسيم الملكية، ثم تعرضها على سمو الباي لوضع ختمه عليها بدون أن يكون له سابق اطلاع عليها، بل أصبح الموظفون الفرنسيون يحتجون الاحتجاجات الصاخبة إذا ما أراد الأمير تغيير لفظة أو فقرة لا تمس جوهر الموضوع أحيانا، ويصرحون بأن لا حق له في إدخال أي تحوير عليها. أما امتناعه عن توقيع مرسوم مهما كان، فيثير عاصفة في الأوساط الفرنسية إلى أن تم لفرنسا احتكار السلطة التشريعية وتسخيرها لفرض حكمها المباشر وتنفيذ برامجها الاستعمارية بمراسيم صادرة في الظاهر عن الدولة التونسية.
ثم زادت الإصلاحات المزعومة الصادرة بتاريخ فبراير 1951 نفوذ المقيم اتساعا عندما أعطته الحق في إبداء «موافقته» أو «توصياته» على جميع المشاريع والقرارات (المراسيم) النظامية أو الشخصية التي يتخذها أعضاء مجلس الوزراء. وقد حرر البندان العاشر والحادي عشر من الأمر العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951، حسب رغبة الحكومة الفرنسية، بكيفية تمنح في الواقع للمقيم العام حق تعطيل (فيتو) جميع أعمال الوزراء التونسيين.
وإن البوليس المدني وقواته موضوعة تحت سلطة المقيم العام وتحت تصرفه، وقد كانت مصالح البوليس منذ نظمها الأمر العلي المؤرخ في 17 أبريل 1897 تابعة للكتابة العامة للحكومة التونسية، ولم تنفصل عن الحكومة التونسية إلا في سنة 1943 لتصبح ملحقة بالإقامة العامة؛ فإن الأمر العلي المؤرخ في 20 أبريل 1944 وضعها تحت سلطة مدير فرنسي تابع رأسا للمقيم العام، ولم يخجل وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» عندما استشهد بالمعاهدات التي خرقها بقوله في تصريحه أمام المجلس القومي الفرنسي يوم 19 يونيو 52، عندما ادعى أن الأمن الداخلي بالقطر التونسي من اختصاصات فرنسا، مع أن البند الثاني من معاهدة باردو لم ينص إلا على احتلال القوات العسكرية الفرنسية للمراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام والأمن بالحدود والسواحل، ومن قال الحدود والسواحل إنما يقصد الدفاع عن الأمن الخارجي قبل كل شيء. أما الأمن الداخلي فهو من مشمولات الحكومة التونسية؛ إذ لا يعقل ولا يتصور أن تحكم أية حكومة في بلاد من غير بوليس.
وقد أحدث المقيم العام أثر إصلاحات 8 فبراير 1951 - من غير مصادقة الباي ولا اطلاع الحكومة التونسية - إدارة الأمور السياسية والإدارية التي أصبحت تشرف في الواقع على جميع الهيكل الإداري التونسي.
ومن أعجب المهازل الاستعمارية أن المقيم العام هو الذي يتوج الملك مباشرة، ويجلسه على عرش آبائه وأجداده؛ ليوهمه أن فرنسا هي صاحبة الحق في أن تبوئ من تشاء على عرش تونس. وقد احتج على هذا الإجراء المغفور له الهادي باي عندما فاجأه المقيم العام لأول مرة بهذا الاعتداء.
وفصلت فرنسا مناطق الجنوب التي تقدر بثلث القطر التونسي عن بقية الوطن ووضعتها تحت الحكم العسكري المباشر، وبتصرف ضباط فرنسيين تابعين لقائد الاحتلال، وأناطت إدارتها بالمقيم العام.
وينوب عن المقيم العام في المناطق الجهوية المختلفة والمقاطعات الترابية التونسية المراقبون المدنيون، وقد كانت مهمة هؤلاء الموظفين الفرنسيين في أول الأمر تقتصر على رقابة العمال التونسيين (المتصرفين) والتأشير على مكاتباتهم، وبصفتهم رجال الرقابة الفرنسية يخضعون في أنظمتهم إلى نصوص قانونية فرنسية، ويتلقون تعليماتهم من المقيم العام، وأصبحوا طبق مشمولات وظيفتهم أصحاب الإدارة الحقيقية في النطاق المحلي. وبعد أن كانوا مراقبين للعمال فقط صاروا مستشارين لديهم، ثم عوضوهم شيئا فشيئا في القيام بمسئولياتهم، وبات النفوذ كله بأيديهم؛ كلمتهم لا ترد وسلطتهم في الواقع لا تحد وكأنهم ملوك الطوائف في سيطرتهم، وتحكمهم لا يطاق؛ خصوصا وأن البوليس لهم والجيش تحت تصرفهم.
وإن الأمر العلي (المرسوم الملكي) المؤرخ في أبريل 1938 قد مكن المقيم العام من سلطان قوي واسع له بمقتضاه أن يقرر وضع حالة الحصار في أية جهة من القطر وفي أي زمان شاء، وله أن يطبق قراره فيمكن له إذ ذاك أن يتخذ ما يراه صالحا من طرق الاضطهاد من استخدام القوة المسلحة ومن إلقاء القبض على من يريد، وسجن من يريد، ومن تفتيش المحال العامة والخاصة سواء في النهار أو في الليل، ومن إحالة التونسيين إلى المحاكم العسكرية الفرنسية حيث يحاكمون طبق المجلة الجنائية الفرنسية. بينما النظام العدلي المادي المطبق على التونسيين مستمد من مجلة جنائية تونسية أصدرها ملك البلاد. (4) الهيئات النيابية
ليس لتونس هيئات نيابية سياسية، وإن تونس تعيش منذ 15 مايو 1951 من غير مجالس نيابية أصلا، وكانت المجالس النيابية لغاية ذلك التاريخ (المجلس الشوري من 1907 إلى 1922، والمجلس الكبير من 1922 إلى 1951) هيئات استشارية ذات اختصاص محدود لا يتعدى النظر في الميزانية.
وقد تكونت أيضا غرف استشارية ذات اختصاص فني فقط تمثل المصالح الاقتصادية (كالغرف التجارية والغرف الفلاحية وغرفة المناجم وغيرها).
Bilinmeyen sayfa