Aklam Hazinesi
تحفة الأعلام على تذكرة الأفهام
بسم الله الرحمن الرحيم
(مسئلة النظر واجب عقلا) ولفظة النظر مشتركة بين الفكر والعين والمقابلة والانتظار والرحمة.
البهاشمة: هو جنس مغاير للعلم والاعتقاد فإنه هو المولد للعلم.
الأشاعرة: تردد أنحاء العلوم الضرورية وزعموا أن حصول العلم عقيبها بمجرى العادة.
الفلاسفة: استعداد النفس لإفاضة العلم من جهة العقل، أبو الهذيل وأبو الحسين استحضار العلوم الضرورية فإنها هي الموجبة للعلم(1)، أما وجوبه (فلتوقف معرفة الصانع) للمصنوعات (عليه) أي: على النظر إذ معرفته واجبة لكونها لطفا وتحصيلها لا يكون إلا بالنظر لتعذر سائر الطرق الموصلة إليها فيجب أن يكون واجبا لوجوبها أو لكون شكر المنعم واجب والإخلال به قبيح عقلا وهو لا يتم إلا بالمعرفة التي لا يصح أن تتولد بدون نظر عقلا (عند من لم يجعلها) أي المعرفة (ضرورية) وهو المؤيد بالله والإمام عز الدين والهادي بن إبراهيم والإمام محمد بن القاسم والقاسم بن علي العياني والفقيه حميد الشهيد وغيرهم أنه يجوز حصولها ضرورة لبعض الأنبياء ونحوهم، وقيل مطلقا، ويشهد لقولهم {أفي الله شك فاطر السموات والأرض}، وأن (المولود يولد على الفطرة) الخبر.
ثم قال: (ولما فيه) أي النظر (من نجاة الناظر عن الهلكات) وذلك أن النظر يندفع به الضرر ودفع الظرر واجب، فهو واجب بيان أنه يندفع به الضرر لأن المكلف إذا كمل عقله فلا بد أن يخاف من ترك النظر لما فيه من الخطر فيطلب جهة الأمن ولا يبلغها إلا بالنظر لينجو من العطب وإنكار تقرره في العقول مكابرة.
Sayfa 4
مسألة: (ومعرفة الله الاجمالية) المستفادة من النظر في المخلوقات على وجه الحقيقة لامتناع ما سوى ذلك (واجبة عقلا) وذلك (لأجل القيام بواجب شكره على ما أنعم) كما هو رأي القاسم والهادي وغيرهما (وشكر المنعم واجب عقلا) لتوجه ذم المخل عند المتشرع وغيره ( وشكر النعمة لا يتم إلا بمعرفة المنعم) بكسر المهمله (فما لا يتم الواجب) وهو الشكر (الابه) وهي المعرفة (يجب كوجوبه) ليؤدي الواجب على نهج القبول لامتناع شكر المجهول (وفي النهج) أي نهج البلاغه للرضي، قال أمير المؤمنين عليه السلام : (أول الدين معرفته ولعله حيث ترتب صحة الشكر على المعرفة جعلت أولية) للشكر (لا من حيث الاستدلال) يعني: من طريقة تنزيل الدليل وتحريره ليتم الوجوب لأنها قد تحصل المعرفة من جهة النظر إلى حدوث العالم بدون جولان للشكر على الخاطر وقيل: وجب النظر بالعرض لا بالذات إذ هو وصلة إلى المعرفة، والمعرفة هي المقصودة بالوجوب.
مسألة: (وصفاته) أي الله (واجبة له تعالى وإلا لزم نفيه عند من يقول صفاته ذاته) وهم جمهور أئمتنا عليهم السلام، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ومن لم يصفه فقد نفاه (أو عجزه عند من لم يجعلها الذات) كأهل المعاني والأحوال.
مسألة: (والذي عليه عامة الآل عليهم السلام أن صفاته تعبير عنه وليست غيره) وذلك ( لئلا يلزم التعدد في القدماء أو التكثر في الذات، أو التلاشي إن قالوا : لا شيء وكلامهم مسطور في المطولات وكفى بالقرآن دليلا حيث عبر سبحانه عن الذات بصفته، قال سبحانه حاكيا عن فرعون:{قال وما رب العالمين(1) قال رب السموات والأرض وما بينهما}، إلى قوله: {رب المشرق والمغرب...الآيات}، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزاه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده...إلخ.
Sayfa 5
لأنا نقول لهم هذه المعاني والمزايا والأحوال: لا تخلو إما أن تكون هي الذات أو غيرها، الثاني : باطل، لأنها لا تخلو إما أن تكون شيئا أولاشيء، إن كان الأول لزم التعدد في القدماء أو الحدوث أو لا شيء ولزم التعطيل ولا يلتزمون ذلك، قال مثبتوا المعاني: ليست بعرض ولا هي هو ولا غيره، وقال أهل المزايا: لا توصف بوجود ولا عدم ولا حدوث ولا قدم ولا هي شيء ولا لا شيء وحيث فروا من التعطيل والتعدد والتكثير، قال: (والصحيح أن الخلاف لفظي، لأن قولهم لا هي) أي المزايا والمعاني (الله ولا غيره ولا شيء ولا لاشيء متناقض) إذ قد أثبتوا شيئا غير خارج أعني (1) مباين للذات ( فيعود إلى قولنا) إنها تعبير عن الذات لفرارهم من التعطيل (وكذا أهل المعاني مع الفرار من التعدد) في القدم والحدوث ( حيث لم يعددوا ولم يعطلوا) فلم يبق إلا قولنا بخلاف من أثبتها أي الصفات مباينة (وقدوهم بعضهم) أي بعض العلماء كالمحقق المفتي محمد بن عز الدين رحمه الله، فقال: ( إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروا قدره) (وقول علي عليه السلام من تفكر في غير الذات وحد، ومن تفكر في الذات ألحد، نهي عن النظر في الصفات كالذات لا تحادهما) أي الذات والصفات، (والجواب أن الإثبات) للصفات (والتعبير) بالصفة عن الذات (ليس من التفكر في الحقيقة) أي في كنه الذات (على الحقيق كيف وقد ورد بالتعبير القرآن) في جواب موسى عليه السلام على فرعون وجواب إبراهيم عليه السلام على النمرود وغير ذلك، (والسنة) النبوية صلى الله وسلم على صاحبها وآله في كلام كثير بسند صحيح شهير (وكلام السلف وهو عنوان التصديق)، أي الكاشف لصحة التصديق، لأن من لا يعلم الصفة لم تتم له معرفته كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في النهج أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة إلى آخر كلامه، وقال: الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود ...إلخ.
فهل هذا إلا التعبير عن الذات المقدسة ومن تتبع خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخطب أصحابه يعلم أنهم يعبرون عن الذات بالصفة وإذ يلزم من المنع إطلاق حمل الصفات على الحقيقة المقتضي للمشابهة والتجسيم.
قلنا: (ولا يلزم من تعدد النعوت تعدد المنعوت) أي الذات، فلذا قال: (لأن مرجع صفات الإدراك من السمع والبصر إلى العلم) لتعذر الآلات على واجب الذات، لأن إحاطة علمه ليست بالحواس الباطنة ولا الظاهرة بل بذاته المقدسة ووافقنا أبو الحسن الأشعري، (كما ترجع صفات التأثير من الإرادة والاختيار إلى القدرة)، فأن الإرادة والاختيار عبارة عن تعلق القدرة بالمقدور والتعليق غير التعلق، فأن تعلق مطاوع التعليق فتعلق بالفتح فعل، والتعليق إرادة واختيار والمتعلق بكسر اللام، قدرة وبفتحها مقدور (وظاهر كلام الهادي عليه السلام، أن صفة الحياة ترجع إلى العلم وهي) أي الحياة (عبارة عما لا يصح الادراك إلا معه فلذلك جعلوها شرطا للعلم والقدرة)، قال الهادي عليه السلام: معنى الحي في حقه تعالى الذي يجوز منه الفعل والتدبير، (لكن فيه نظر إذ الشرط واجب التقدم) فلهذا (قيل) أبو الحسين وغيره: (هي) أي صفة الحياة جعلوها (جزء من المقتضي إذ لو تقدمت كان العلم والقدرة حادثين فوجب أن تكون صفة الحياة عبارة عن صحة إدراك الذات للمدركات ولم نرجعها) أي صفة الحياة (إلى) صفة (القدرة لظهور أن لها) أي القدرة (تعلقا مؤثرا بالصور الحسية) لا المعنوية (ولا كذلك الحياة والعلم) لادراكه المعنوي كأفعالنا الماضية ونحو ذلك، إذ تحقق بمجرد الإحاطة وإدراكه الحسي.
Sayfa 7
مسألة: ولما كثر الاختلاف في معنى الارادة، قال عن بعض الإثبات (قيل والواجب علينا في تعريف الارادة ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام يريد ولا يضمر) أي الإيمان بالارادة مع تنزيهه عن إرادة المخلوقين المستلزمة للإضمار (يحب ويرضى من غير رقة ويبغض ويغضب من غير مشقة) انتهي كلامه عليه السلام، (وذلك لمباينة الخالق المخلوقين) لو أبقيناها على ظواهرها لما باينهم ولكان قد شابههم وماثلهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (ومن قال هي) أي الإرادة واجبة (للذات) أو واجبة (بها) أي بوجوب الذات (يلزم وجوبها) أي الإرادة لوجوب الذات (ونفي الاختيار) والله يتعالى عن ذلك (مع التعدد إن كانت معنى) غير الذات (أو صفة خارجة) عن الذات (والحدوث إن تأخرت) أي لضرورة تقدم العله على المعلول (فأما من الغير) يعني إرادته من الغير (فيجب إمتثال أوامره) الموصلة إلى دار رحمته (قال سبحانه: {يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}، وما روى مسلم) ابن الحجاج في كتابه المسمى بالصحيح ( في حساب العاصي قد أردت منك أيسر من ذلك) يعني الطاعات (وهما نص في محل النزاع) بين من زعم أن الأمر غير الارادة وأنها تتعلق بالمعاصي، ومن زعم أن الارادة: الأمر (وتأويلهما لغير ملجي تعسف)، لأنهم تأولوا الخبر بأن المعنى إرادة طلب ويلزمهم تعدد الإرادة وهذا التأويل غير مطرد في معنى الآية ولو سلمنا ذلك في معنى الخبر (ويكره ما نهي عنه، قال سبحانه: {إنه لا يحب الفساد} {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله: {وكان سيئه عند ربك مكروها}، وقول أمير المؤمنين عليه السلام وبين لكم محابه من الأعمال ومكارهه لتتبعوا هذه) أي المحاب وهي الطاعات، (وتجتنبوا هذه) أي تجتنبوا المعاصي، أما المحبة والرضى والكراهة فلا خلاف بين المعتزلة والماتريدية والأشعرية إلا الجويني وإنما الخلاف في حقيقة الإرادة فالذي نص عليه الهادي والمرتضى ونقل عن عامة الآل أن إرادته تعالى في أفعاله فعله وفي أفعال غيره الأمر بها وكراهته لفعل غيره النهي عنه وأرادته للخبر عما أخبر به هو الخبر به، وكذى كلام القاسم عليه السلام، وقيل: هي الداعي ورجحه الإمام يحيى عليه السلام وهو محل تأمل، لأن الداعي يستلزم الحاجة. وقيل العلم(1).
وروي عن القاسم بن إبراهيم عليه السلام وغير ذلك، حتى قال بعض المتأخرين كالإمام الحسن بن بدر الدين، والإمام أحمد بن الحسين الشهيد ووالدنا الإمام الهادي الحسن بن يحيى بن علي واختاره المفتي: لا تجب معرفة الإرادة ولا لماذا كان مريدا جملة ولا تفصيلا بالدليل العقلي بل الإيمان الجملي بالسمع في ذلك كاف في الجملة...الخ.
وقد قدمنا إشارة في ذلك في المسألة تقدمت قبل هذه.
وقالت الأشاعرة: الإرادة معنى قديم كسائر المعاني وقيل: محدث لا في محل، قال في الجامع الكافي، قال الحسن: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه من أحسن فلله عليه المنة ومن أساء فلله عليه الحجه في إسائته وغير معذور في معصيته ولن يخرج الخلق من قدرة الله تعالى وتدبيره وملكه، وقال الحسن بن يحيى ومحمد بن منصور في لفظ آخر للعباد أفعال ومشيآت نسبها الله إليهم وعلم الله إرادته ومشيئته محيطة بإرادتهم فلا يكون منهم إلا ما أراد وعلم أنه كائن منهم وقد أراد خلقهم وخلقهم بعد علمه بما هو كائن منهم وأنه لا يكون منهم إلا الذي كان وقد سبق علمه أنه يكون منهم مؤمن وكافر ومطيع وعاص وقد أراد أن يتم كون ما علم أنه كاين.
Sayfa 9
قلت: وهذا هو الجامع لأطراف كلام الآل من أن الله أراد أن يكونوا مختارين وعلى أفعالهم مجازين ممدوحين أو مذمومين ومن خرج منهم عن هذا الجامع فمن غير أهله أخذ.
باب الحكمه والعدل
(مسألة الحكمه مرجح الفعل أو الترك المناسب له) أي للمرجح (عقلا) وأن خفي علينا فأفعال الله سبحانه وتعالى محكمة كما دلت عليه الآيات القرآنية ومنكر ذلك منكر للضرورة كما أشار إليه في إيثار الحق (والعدل إيقاع ذلك) أي الفعل أو الترك (لأجل ذلك المرجح) فيخرج العبث إذ لا يكون لمرجح رأسا (والجور ضده) لعدم المرجح المناسب للعقل وإن ناسبه في الشهوة لمرجوحيتها (ومنه) أي من الجور (الظلم) كتعذيب من لا يستحق التعذيب وتكليف ما لايطاق والتساوي بين العاصي والمطيع في الدارين ومنه قول المعتزلة: أن الله خلق العاصي على بنية لا تقبل اللطف.
وقول الأشاعرة: إنه يضل العاصي قبل عصيانه لمجرد القضاء والقدر والله ينزه نفسه وأحكامه عن الظلم، قال سبحانه: {وما يضل به إلا الفاسقين} {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} والإضلال من جنس العقاب فهؤلاء خصماء القرآن بل خصماء الرحمن أيخلقهم على بنية لا تقبل الهدى ثم يلزمهم به؟ هذا تكليف ما لا يطاق! قال سبحانه: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}، والمصيبة في الدين أعظم المصايب، وقال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم...الآيه}.
قالوا: يجوز ذلك ابتلاء لا عقاب.
لنا: ما تقددم ولعدم الدليل على ذلك، لأن ما يؤدي إلى الظلم من غير مرجح مناسب للعقل والفطرة التي فطر الله الناس عليها ظلم وجور، قال تعالى: {إنا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا}، وقال: {ثم السبيل يسره}، {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}.
مسألة: (وللعدل والجور يحسن الفعل والترك)، بمعنى كونهما سببا للمدح إن كانا عدلا، (ويقبحان) أي الفعل والترك بمعنى كونهما سببا للذم والعقاب في حقنا إن كانا جورا.
Sayfa 10
قال بعضهم: استحقاق المدح على العدل والإحسان، والذم على الظلم والعدوان ضروري يشهد به الوجدان ويحكم به نفاة الأديان ومن قصر الحسن والقبح على صفة الكمال ونقيضهما وأنكرهما في المذكورين المتنازع فيهما فقد كابر مقتضى عقله، وقال قدماء المعتزلة والبراهمة: يحسنان ويقبحان لذاتيهما، وقد أشار إلى الرد عليهم فقال: (لا لذاتيهما لاداه) أي هذا القول (إلى وجوب النقيضين) الحسن والقبح (من جهة واحدة).
لأن العلة الواحدة وإن ناسبت النقيضين باعتبارين فكذلك من جهتين وهي الحسن والقبح، (وهو ممتنع إتفاقا) أي من جهة واحدة هي الذات وذات الأفعال كلها هي الكون فقط، لا ذاتي لها غيره، لأنها بسيطة لا تتمايز إلا بعوارض خارجة عن الذات كالمشخصات وذلك كالسجود لله فهو حسن باعتبار كونه سجودا لله، والسجود للصنم قبيح باعتبار كونه سجودا للصنم وكتأليم نحو المستحق للتأليم حسن باعتبار كونه مستحقا وقبيحا في غير المستحق، قالوا: لو لم تكن هي الذات لما امتنع الكذب ونحوه من الله ورد بمنع اللازم، لأنه قبح لعدم المرجح وكونه صفة ذات، فقد يحسن في بعض الأوقات وقد ورد أن في التعريض مندوحه عن الكذب.
وقالت الأشاعرة: إنما يتعلق بالفعل والترك المدح والذم، للأمر والنهي فقط.
لنا: لو انحصرت علة الحسن في الطلب لم يتعلق المدح عقلا بفعل الله واللازم باطل بالضرورة فإنه محمود ممدوح بأفعاله بلسان المتشرع وغيره وليس بمأمور.
باب الأفعال
مسألة: (وحسن فعل الله معلل بالحكمة لو لم تكن كذلك)، أي معللة بالحكمة (لزم الإضطرار) لو كانت بالذات لوجوبها (أو العبث وكلاهما باطل).
Sayfa 11
وقالت الأشاعره: لا (وقولهم) أي الأشاعرة (لوجب إنتهاء الحكمة) الباعثه على الحكم (إلى غاية وهي) أي الغاية (لذة عقلية أو بدنية وإلا تسلسل) مع فقد اللذة (واللذة ممتنعة على الله لنا) عليهم (منع الانحصار فيهما) أي اللذتين العقلية والبدنية (مسندا إنتهائها) أي الحكمة (إلى صفة كمال لا تعلل بغير ذاتها كالكرم لأنه حسنة) أي الكرم (لذاته) فلهذا قيل في تعريفه: أنه إفادة ما ينبغي لا لغرض فحسنه كحسن العلم والقدرة ونحوهما ولا ينافي ذلك الاختيار وإن لم يحتج إلى مرجح كما لا تحتاج صفات الله الذاتية إلى مرجح لها على نقايضها وإلا لزم (التسلسل) في المرجحات (بما لا يجوز على الله ولا يعقل) من توارد المرجحات على النقايض أو يلزم التعطيل وذلك أن الله لا يوصف بوجود ولا علم ولا قدره وقد استوفى في إيثار الحق، الاستدلال على المسألة والرد لقول المخالف بما يشفي اللبيب.
مسألة: (وللعبد قدرة مستقلة بالتأثير)، أما القدرة فمع التحقيق أن الجهمية والأشاعرة لا يخالفون فيها فلذا قال: (ومنع الأشاعرة الاستقلال) وللمعتزلة والمجبرة في هذه المسألة نحو أربعة عشر قولا استوفاها في الإيثار مع الميل إلى تنزيه الأشاعرة.
(لنا: أن القدرة معدة لتأثير الضدين كالقوة العاقلة المعدة لادراكهما) أي الضدين ولا قايل بأن العقل غير مستقل بادراكهما فالفرق بين القوتين تحكم صرف.
(قالوا): قدرة (موجبة) للفعل من الله بعد اعتبار العبد من كونها طاعة أو معصية.
(قلنا: فلا مشاركة) للعبد (لأن الموجب) وهو الله (مستقل بالتأثير وغيره) أي غير المستقل (طرد) أي تابع (في المؤثر) وبذلك يبطل القول بأن الفعل مقدور بين قادرين.
(قالوا): ثانيا (الكسب غير الفعل الواجب عن القدرة) المؤثرة (لأن الفعل كون وهو ذات كالجوهر ولا يقدر على الذوات غير الله).
Sayfa 12
قلت: وهذا محل النزاع (ورد بمنع كون الفعل ذاتا بل صفة مقدورة للعبد وإلا لم يتحقق الكسب) إن كان الفعل ذاتا، قال في الإيثار: فإن قال جاهل حجة الأشعريه على أن أعمالنا مخلوقة أنها ذوات لا صفات، ولا أحوال، ولا يقدر على شيء من الذوات إلا الله، فالجواب من وجوه:
الأول أوضحها: وهو أنهم لا يقولون بذلك بل يقولون أن أفعالنا هي الأحوال والوجوه والاعتبارات المتعلقة بتلك الذوات وذلك هو معنى الكسب كما تقدم، وثانيها أنهم منازعون في أن الأكوان التي هي الحركه والسكون والاجتماع والافتراق ذوات بل هي صفات أو أحوال كما ذهبت إليه الجماهير وأهل التحقيق كابن تيميه وأصحابه منهم وأبو الحسين وأصحابه من المعتزله ومن لا يحصى كثره من سائر طوايف الشيعه والمتكلمين، وثالثها: أنه لا نسلم لهم أنه لا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى بل قد خالفهم في ذلك إمامهم الكبير أبو المعالي الجويني والشيخ أبو إسحاق وأصحابهما.
Sayfa 13
فقالوا: إنه يقدر على ذلك من أقدره الله تعالى عليه ومكنه منه وأراده له. انتهى وقد تقدم له أنهم يقولون أن الأكوان ذوات حقيقية وبعضهم قال: الأكوان ذوات ثبوتيه هي فعل الله، وفعل العبد كسب يتعلق بها وهي متميزة منه وبعضهم ذهب أنه لا فعل للعبد إلا الاختيار فمتى اختار الطاعة خلقها الله عقيب اختياره وكذلك المعصية فتأمل كيف جعل كلامهم موافقا لأبي الحسين المعتزلي وابن تيميه الظاهري، (لأنه) أي الكسب (إن كان أمرا اعتبره العبد في فعل الرب من طاعة أو معصية أو نحو ذلك) كالمباح (م يصح تعلق الاعتبار بفعل الغير) أي غير المعتبر (وإلا عم الفعل غير الفاعل) أي وإلا لكان فعل الواحد طاعة أو معصية لكثيرين إذا اعتبروهما في فعله فأثيبوا وعوقبوا بفعل غيرهم، وذلك باطل بضرورتي العقل والشرع (وإن كان) أي الكسب (أمرا وجوديا متميزا فهو كون آخر) والمفروض أن ليس هناك إلا كون واحد أثر في الأثر وأن العبد لا يقدر على الكون (أو غير متميز) بل الكون واحد مقدور بين قادرين لا يتميز مقدور أحدهما عن مقدور الاخر(اجتمع فيه النقيضان الوجوب بإيجاب القدرة والجواز باختيار الكسب وانتفاء المشاركة) بينهما (فيه إن استقل به أحدهما لما تقدم) من أن الموجب مستقل بالتأثير وغيره طرد في المؤثر.
(قالوا: الإلهيات تستلزم الجبر) من كونه لا يقع في ملكه مالا يريد وغير ذلك من التعظيم للباري سبحانه وتعالى (وإثبات الرسل يستلزم الاختيار فيجب أحدهما جمعا بين الأدلة العقلية والسمعية) صرح بمعنى ذلك الرازي وغيره من الأشاعرة.
Sayfa 14
(قلنا: الحاجة إلى الجمع) بينهما (فرع ظهور التنافي بينهما) وهو المطلوب ولكن (لاتنافي بعد تسليم الاختيار) كما يستلزمه إثبات الرسل (وكونه ضروريا) أي الاختيار (بالفرق بين حركة الصاعد والساقط وكون الجبر إستدلاليا) بإثبات الألاهيات (والاستدلال لا يقابل الضرورة البديهية وضرورة إختيار الصاعد بديهية) وربما يقال ضرورة الجبر متعلقة بنحو حركة الساقط واستدلالية بنحو حركة الصاعد فليس الضروري منهما باستدلالي ولا العكس فلا استدلال هنا في مقابل الضرورة فيجاب بأن الاختيار في حركة الصاعد ضروري فلا يصح الاستدلال بها على الجبر كما لا يصح الاستدلال في حركة الساقط على الاختيار لكن لا يخفى أن عدم مقابلة الاستدلال للضرورة إنما هو في الضرورة البديهية، أما في الاستدلالية فيقابله والخصم يمنع بداهة الاختيار في حركة الصاعد.
قلت: بل اختيار الصاعد وكل عمل مقرون باللذة عقلية أو بدنية ينافي الجبر الذي بمعنى الإكراه ضرورة بديهية كما في الأصل.
(قالوا): قال تعالى : {لمن شاء منكم أن يستقيم} ({وما تشاؤن إلا أن يشاء الله} فالاستقامه بالمشيتين وهو معنى تركب العلة) في التأثير.
(قلنا): ذلك مبني على أن متعلق المشيتين هو الاستقامة ونحوها وهو ممنوع بل (المعنى وما يحدث لكم مشية إلا أن يشاء الله أن تشاؤوا) أي أن تكون لكم مشيئة واختيار (فمتعلق المشيتين هو مشية العباد واختيارهم لا إكراههم) وهذا صرح به أكابر قدماء أئمتنا عليهم السلام، حيث قالوا أن الله يشاء أن يكون العباد مختارين لتقوم عليهم الحجة، ولم يشاء مختارهم إذا كان معصية، وأما الطاعة فيشاءها منهم مع أن الإرادة لا تتعلق بفعل الغير كما سيأتي.
(قال سبحانه: {لا إكراه في الدين}) {قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر الطاغوت ويؤمن بالله} فنسب الكفر والإيمان إلى العباد، وأما مشية العباد فإنها فعل الله وخلقه كالقدرة والله أعلم.
Sayfa 15