تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة
تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة لأبي نعيم الأصبهاني
Araştırmacı
الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي دكتوراه في العقيدة بمرتبة الشرف الأولى
Yayıncı
مكتبة العلوم والحكم
Baskı Numarası
الأولى
Yayın Yılı
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م
Yayın Yeri
المدينة المنورة
Türler
١٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» فَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ مِمَّنْ زَيَّنَ اللَّهُ من الْخِلَافَةَ وَلَمْ يُزَيَّنْ بِالْخِلَافَةِ. أَمْسَكَ عَنْ قِتَالِ مَنْ قَعَدَ عَنْ بَيْعَتِهِ كَمَا امْتَنَعَ الصِّدِّيقُ ﵁ عَنْ مُقَاتَلَتِهِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ إِلَى أَنْ بَايَعَ وَمِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ أَحَقَّ بِالْأَمْرِ وَأَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ
١٨٤ - مَا حَدَّثَنَاُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، ثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَمْرُقَ مِنْ بَيْنِهَا مَارِقَةٌ تَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» ⦗٣٦٠⦘ رَوَاهُ قَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْجُرَيْرِيُّ فِي آخَرِينَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ. فَتَوَلَّى عَلِيٌّ ﵁ قَتْلَهُمْ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ بَعْدَ الْجَمَلِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ لَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵃. فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ كَانَ عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْغَيْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ، الَّذِينَ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ لِفَضْلِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِمْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ، مِنْ أُولِي الْأَمْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ تَعَهَّدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فِي الْعَشَرَةِ، مَنْ تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. فَسَلَّمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْعَشَرَةِ بِالْأَمْرِ لِعَلِيٍّ ﵁، وَلَمْ يُنْكَرْ أَنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْأُمَّةِ ذِكْرًا وَأَرْفَعِهِمْ قَدْرًا، الْقَدِيمُ سَابَقْتُهُ وَتَقَدُّمُهُ فِي الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ، وَشُهُودُهُ الْمَشَاهِدَ الْكَرِيمَةَ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الْمُؤْمِنُونَ وَيُبْغِضُهُ الْمُنَافِقُونَ، لَمْ يَتَّضِعْ بِتَقْدِيمِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلِ ازْدَادَ ارْتِفَاعًا لِمَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ إِذْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ﵈، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ ⦗٣٦١⦘ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَلَمْ يَكُنْ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالَّذِي وَضَعَ مِمَّنْ دُونَهُ؛ إِذْ كُلُّ الرُّسُلِ صَفْوَةُ اللَّهِ ﷿ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَوَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَادِلًا زَاهِدًا آخِذًا فِي سِيرَتِهِ بِمِنْهَاجِ الرَّسُولِ ﵊ وَأَصْحَابُهُ ﵃ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿ شَهِيدًا هَادِيًا مَهْدِيًّا، سَلَكَ بِهِمُ السَّبِيلَ الْمُسْتَبِينَ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ⦗٣٦٢⦘ لَمْ تَطُلْ إِمَامَتُهُ لِخُرُوجِ مَنْ فَارَقَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ، وَلِقُعُودِ مَنْ خَالَفَهُ ﵁. فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ، وَقَالَ: لَمَّا وَلِيَ أَمْرَ الْأُمَّةِ حَكَمَ بِخِلَافِ حُكْمِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. قِيلَ لَهُ: فِي أَيِّ شَيْءٍ وَكَيْفَ؟ فَإِنْ ذَكَرَ مَا رُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْهُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنَ الْجَوَارِي. قِيلَ: هَذَا مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْي مُسْتَقِلٌّ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ هَذَا لَمْ يَزَلْ رَأْيَهُ إِلَّا أَنَّهُ تَابَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁. قِيلَ: لَا تَخْلُو مُتَابَعَتُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ مَوْضِعُ النَّظَرِ فَقَلَّدَ إِمَامًا عَادِلًا، أَوْ رَأَى مِثْلَ رَأْيِ أَصْحَابِهِ فَوَافَقَ رَأْيُهُ رَأْيَهُمْ. ⦗٣٦٣⦘ وَقَدْ وَافَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فِيمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُقُوفِهِ وَفِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَعَ قَوْلِهِ ﵁: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. فَإِنْ طَعَنَ طَاعِنٌ عَلَى مَا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵃ وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ. قِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ وَخِيَارُ الْأُمَّةِ وَأُولُو أَمْرِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالْعِلْمِ بِالدِّينِ، مَا حُجَّتُكُمْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَنْتُمْ دُونَهُمْ، تَرَوْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ حَقًّا لَا تَعْنُونَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَتُقِرُّونَ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ وَهُدًى، فَلِمَ لَا تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ فِي قِتَالِهِمْ وَحُرُوبِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَهَاهُمْ عَنِ الْقِتَالِ بَعْدَهُ وَذَمَّ الْمُقْتَتِلِينَ فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، وَقَالَ: «إِذَا تَوَجَّهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفِهِمَا»، وَقَالَ: «لَتَعُودُنَّ بَعْدِي أَمْتًا ⦗٣٦٥⦘ وَوَصَبًا»، وَقَالَ: «إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ فَلَا تَقْتَتِلُوا بَعْدِي»، " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، وَمَا شَاكَلَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ. قِيلَ: هَذِهِ أَخْبَارٌ لَا نُنْكِرُهَا، فَهَلْ خُصِّصْتُمْ بِالْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وُوُصُولِهَا إِلَيْكُمْ وَغَرَبَتْ عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْرِفُوهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَصَدُوا سَفْكَ الدِّمَاءِ عَلَى غَيْرِ دِينٍ خِلَافًا لِمَا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ. قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الطَّعْنَ كَبِيرٌ عَلَى الْأَعْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَامِ الدِّينِ وَالْهُدَى. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَصِلِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ إِلَيْهِمْ. قِيلَ لَهُمْ: فَمَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَلَا تَعْلَمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا عَنْ فَضْلِهِمْ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ جَازَ وُصُولُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إِلَيْكُمْ فِي بُعْدِكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَابُهَا عَنْهُمْ فِي قُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَئِنْ جَازَ هَذَا لَيَجُوزَنَّ ذَهَابُ مُعْظَمِ الدِّينِ، وَأَكْثَرُ السُّنَنِ عَنْهُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا أَعْلَمَ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وِسَادَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ. فَإِنْ قَالُوا: وَلَمَّا اقْتَتَلُوا، بِأَيِّ حُجَّةٍ احْتَجُّوا فِي الْقِتَالِ؟ قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مُسْلِمُونَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ". وَأَعْلَمَ ﵇ أَنَّ ثَمَّ حُقُوقًا تُسْتَبَاحُ بِهَا الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ ذَلِكَ: قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقِتَالُ الْخَوَارِجِ، وَقِتَالُ اللُّصُوصِ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَوَدُ مِنَ الْقَاتِلِ، وَقَتْلُ مَنْ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ. فَأَبَاحَ دِمَاءَ هَؤُلَاءِ. فَتَنَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ قِتَالَ مَنْ خَالَفَهُ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ شَيْئًا حَلَالًا يَرَاهُ غَيْرُهُ حَرَامًا مِثْلَ: الْفَرَائِضِ، أَعْطَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَغَيْرُهُ الْجَدَّ الْمَالَ وَحَجَبَهُ عَنِ الْإِخْوَةِ، وَأَعْطَى عُمَرُ ﵁ الْجَدَّ السُّدُسَ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ وَأَعْطَى الْإِخْوَةَ مَا بَقِيَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَرَامِ وَالنِّيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ يَمِينًا وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاحِدَةً، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: ثَلَاثٌ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ⦗٣٦٦⦘ وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَسَامَةِ بَعْضُهُمْ يُقِيدُ بِهَا وَبَعْضُهُمْ لَا يُقِيدُ بِهَا وَيُوجِبُ بِهَا الدِّيَةَ. وَالرَّجُلَانِ يَقْتُلَانِ الرَّجُلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتُلُهُمَا بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَفْسٌ بِنَفْسٍ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِثْلُهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
١٨٤ - مَا حَدَّثَنَاُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، ثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَمْرُقَ مِنْ بَيْنِهَا مَارِقَةٌ تَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» ⦗٣٦٠⦘ رَوَاهُ قَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَالْجُرَيْرِيُّ فِي آخَرِينَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ. فَتَوَلَّى عَلِيٌّ ﵁ قَتْلَهُمْ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ بَعْدَ الْجَمَلِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ لَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵃. فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ كَانَ عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْغَيْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ، الَّذِينَ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ لِفَضْلِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِمْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ، مِنْ أُولِي الْأَمْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ تَعَهَّدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فِي الْعَشَرَةِ، مَنْ تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. فَسَلَّمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْعَشَرَةِ بِالْأَمْرِ لِعَلِيٍّ ﵁، وَلَمْ يُنْكَرْ أَنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْأُمَّةِ ذِكْرًا وَأَرْفَعِهِمْ قَدْرًا، الْقَدِيمُ سَابَقْتُهُ وَتَقَدُّمُهُ فِي الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ، وَشُهُودُهُ الْمَشَاهِدَ الْكَرِيمَةَ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الْمُؤْمِنُونَ وَيُبْغِضُهُ الْمُنَافِقُونَ، لَمْ يَتَّضِعْ بِتَقْدِيمِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلِ ازْدَادَ ارْتِفَاعًا لِمَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ إِذْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ﵈، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ ⦗٣٦١⦘ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَلَمْ يَكُنْ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالَّذِي وَضَعَ مِمَّنْ دُونَهُ؛ إِذْ كُلُّ الرُّسُلِ صَفْوَةُ اللَّهِ ﷿ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَوَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَادِلًا زَاهِدًا آخِذًا فِي سِيرَتِهِ بِمِنْهَاجِ الرَّسُولِ ﵊ وَأَصْحَابُهُ ﵃ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿ شَهِيدًا هَادِيًا مَهْدِيًّا، سَلَكَ بِهِمُ السَّبِيلَ الْمُسْتَبِينَ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ⦗٣٦٢⦘ لَمْ تَطُلْ إِمَامَتُهُ لِخُرُوجِ مَنْ فَارَقَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ، وَلِقُعُودِ مَنْ خَالَفَهُ ﵁. فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ، وَقَالَ: لَمَّا وَلِيَ أَمْرَ الْأُمَّةِ حَكَمَ بِخِلَافِ حُكْمِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. قِيلَ لَهُ: فِي أَيِّ شَيْءٍ وَكَيْفَ؟ فَإِنْ ذَكَرَ مَا رُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْهُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنَ الْجَوَارِي. قِيلَ: هَذَا مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْي مُسْتَقِلٌّ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ هَذَا لَمْ يَزَلْ رَأْيَهُ إِلَّا أَنَّهُ تَابَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁. قِيلَ: لَا تَخْلُو مُتَابَعَتُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ مَوْضِعُ النَّظَرِ فَقَلَّدَ إِمَامًا عَادِلًا، أَوْ رَأَى مِثْلَ رَأْيِ أَصْحَابِهِ فَوَافَقَ رَأْيُهُ رَأْيَهُمْ. ⦗٣٦٣⦘ وَقَدْ وَافَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فِيمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُقُوفِهِ وَفِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَعَ قَوْلِهِ ﵁: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. فَإِنْ طَعَنَ طَاعِنٌ عَلَى مَا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵃ وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ. قِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ وَخِيَارُ الْأُمَّةِ وَأُولُو أَمْرِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالْعِلْمِ بِالدِّينِ، مَا حُجَّتُكُمْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَنْتُمْ دُونَهُمْ، تَرَوْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ حَقًّا لَا تَعْنُونَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَتُقِرُّونَ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ وَهُدًى، فَلِمَ لَا تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ فِي قِتَالِهِمْ وَحُرُوبِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَهَاهُمْ عَنِ الْقِتَالِ بَعْدَهُ وَذَمَّ الْمُقْتَتِلِينَ فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، وَقَالَ: «إِذَا تَوَجَّهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفِهِمَا»، وَقَالَ: «لَتَعُودُنَّ بَعْدِي أَمْتًا ⦗٣٦٥⦘ وَوَصَبًا»، وَقَالَ: «إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ فَلَا تَقْتَتِلُوا بَعْدِي»، " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، وَمَا شَاكَلَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ. قِيلَ: هَذِهِ أَخْبَارٌ لَا نُنْكِرُهَا، فَهَلْ خُصِّصْتُمْ بِالْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وُوُصُولِهَا إِلَيْكُمْ وَغَرَبَتْ عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْرِفُوهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَصَدُوا سَفْكَ الدِّمَاءِ عَلَى غَيْرِ دِينٍ خِلَافًا لِمَا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ. قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الطَّعْنَ كَبِيرٌ عَلَى الْأَعْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَامِ الدِّينِ وَالْهُدَى. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَصِلِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ إِلَيْهِمْ. قِيلَ لَهُمْ: فَمَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَلَا تَعْلَمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا عَنْ فَضْلِهِمْ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ جَازَ وُصُولُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إِلَيْكُمْ فِي بُعْدِكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَابُهَا عَنْهُمْ فِي قُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَئِنْ جَازَ هَذَا لَيَجُوزَنَّ ذَهَابُ مُعْظَمِ الدِّينِ، وَأَكْثَرُ السُّنَنِ عَنْهُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا أَعْلَمَ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وِسَادَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ. فَإِنْ قَالُوا: وَلَمَّا اقْتَتَلُوا، بِأَيِّ حُجَّةٍ احْتَجُّوا فِي الْقِتَالِ؟ قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مُسْلِمُونَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ". وَأَعْلَمَ ﵇ أَنَّ ثَمَّ حُقُوقًا تُسْتَبَاحُ بِهَا الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ ذَلِكَ: قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقِتَالُ الْخَوَارِجِ، وَقِتَالُ اللُّصُوصِ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَوَدُ مِنَ الْقَاتِلِ، وَقَتْلُ مَنْ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ. فَأَبَاحَ دِمَاءَ هَؤُلَاءِ. فَتَنَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ قِتَالَ مَنْ خَالَفَهُ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ شَيْئًا حَلَالًا يَرَاهُ غَيْرُهُ حَرَامًا مِثْلَ: الْفَرَائِضِ، أَعْطَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَغَيْرُهُ الْجَدَّ الْمَالَ وَحَجَبَهُ عَنِ الْإِخْوَةِ، وَأَعْطَى عُمَرُ ﵁ الْجَدَّ السُّدُسَ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ وَأَعْطَى الْإِخْوَةَ مَا بَقِيَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَرَامِ وَالنِّيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ يَمِينًا وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاحِدَةً، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: ثَلَاثٌ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ⦗٣٦٦⦘ وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَسَامَةِ بَعْضُهُمْ يُقِيدُ بِهَا وَبَعْضُهُمْ لَا يُقِيدُ بِهَا وَيُوجِبُ بِهَا الدِّيَةَ. وَالرَّجُلَانِ يَقْتُلَانِ الرَّجُلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتُلُهُمَا بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَفْسٌ بِنَفْسٍ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِثْلُهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
1 / 359