وظل الرفاق الثلاثة يشربون، وظل يسري ينظر إلى هذه الفتنة التي ترتكب بجانبه شاردا يفكر فيها حينا ويفكر في حديث صبحي حينا آخر، أو يفكر في دولت حينا ثالثا، أو تختلط الأفكار جميعا في رأسه امتزجت بحميا الخمر فهو في بحران.
مضى حين من الوقت لم يشعر البار بمضيه، وغمز صبحي ذراع يسري وأشار بذقنه إلى فتاة مالت على صدر جندي راح يعبث في جسمها ويقبلها في نهم. وأطال يسري النظر إلى الفتاة والجندي. ثم التفت فجأة إلى جواره يريد أن يرى أثر هذه المغازلة الصريحة على الأسترالي وصديقته، ولكنه وجد الأسترالي قد انصرف والفتاة تقف وحدها إلى البار. فظل ناظرا إليها، وتنبهت هي إلى نظرته فابتسمت له وابتسم، فدعاها إلى كأس فأجابت وإلى أخرى فقبلت. وأوشك أن يدعوها إلى الخروج لولا أن عاد الأسترالي، وكانت الفتاة قد تعتعتها الخمر كما تعتعت يسري، وكان الأسترالي كامل السكر غير محتاج إلى مزيد، وما هي إلا ثانية واحدة حتى كان يسري مقذوفا يحطم الزجاج المطلي باللون الأزرق خارجا هو والنور إلى الشارع، وقبل أن تمر الدقيقة التالية كان الصديقان يخترقان لوحين آخرين من الزجاج الأزرق غير مقذوفين إلا بالرعب المرفرف في قلبيهما، وما إن بلغت أقدامهما أرض الميدان حتى أطلقها الزمام للجري لا يلويان على صاحبهما.
أمسك يسري بأول قدم مرت به في مرقده خارج البار، وامتدت إليه يدان تحملانه كطفل، وسارع صاحب اليدين يترك المكان جميعه يتوخى الظلام الشديد، حتى إذا بلغ مكانا مطمئنا تركته اليدان، وطالعه صوت لم يختلط عليه: يظهر أن الفيلم كان دراما عنيفة يا أستاذ يسري.
الفصل الخامس والعشرون
أفاق يسري إفاقة تامة، وواجه أخاه الذي طالعه وجهه من ثنايا الظلام الأغبر مبتسما حانيا صافحا مدركا، وظل يسري صامتا مستخزيا.
وقال خيري: هل أصابك شيء؟ - لا، بسيطة. - أتستطيع المشي؟ - نعم، أظن ذلك. - اعتمد على ذراعي وامش. - أين تريد الذهاب؟ - إلى البيت. - خذني إلى مكان آخر. - تعال. - إلى أين؟ - تعال.
ومشى الأخوان يعتمد يسري على ذراع أخيه. تعثرت خطواته في أول الأمر بعض الحين، ثم ما لبث أن استقام به المسير. وبلغا شارع قصر العيني، ولم يمل أخوه إلى المنيرة، بل حاد يمنة إلى النيل، وحين بلغا الحجارة البيضاء المشرفة على النهر العريق جلس خيري وساعد أخاه فأجلسه إلى جانبه، ثم قال: هل فكرت يوما أن تجلس جلسة كهذه؟
وقال يسري في سخرية تتردد بين الظهور والاستخفاء: جلسة شاعرية تعني؟
فقال خيري مغضيا عن رنة السخرية في صوت أخيه: مثلا. - لا يا سيدي، أنا لست من غواة الشعر. - هل لا بد أن تكون من غواة الشعر حتى تتمتع بالطبيعة، يخيل لي يا يسري أنك لا تتمتع بالطبيعة أبدا. - هذه متعة لا أعرفها، إنما أعرف متعات أخرى. - حتى هذه المتعات تحتاج إلى شيء من الجمال في نفسك لتتغلغل إلى كيانك، تستطيع أن تسكب على حياتك لونا من الجمال، من الإحساس، من المشاعر. - إحساس! مشاعر! الشعر أتلف الدنيا معك.
وقال خيري في بساطة: قل لي يا يسري، ألم تحس في لحظة، في لحظة عابرة أنك تحب هذه الدنيا، الدنيا كلها بكل ما فيها ومن فيها؟ تحب الظلام والنور، تحب العدو والصديق، تحب الدنيا لأنك فيها، وتحب الله لأنه صنع لك هذه الدنيا، والدنيا كلها بجمالها، بل بقبحها وقسوتها. ألم تحس في لحظة - ولو لحظة - أن قلبك استطاع أن يحتوي العالم جميعه واستطاع أن يحنو عليه ويعطفه بما فيه من جمال، بل ما فيه أيضا من بؤس؟
Bilinmeyen sayfa