İslam Devrimi ve Peygamberlerin Kahramanı: Ebu'l Kasım Muhammed bin Abdullah
ثورة الإسلام وبطل الأنبياء: أبو القاسم محمد بن عبد الله
Türler
فهذا الكلام الطويل العريض لا أثر فيه للحقيقة التاريخية، ولكنه تعصب ظاهر للجاهلية، وقد فندناه سلفا في مواضع عدة من هذا الكتاب، وأقمنا الأدلة على بطلانه وصحة نقيضه. وهو إما مقصود به إلى التقليل من شأن الرسالة المحمدية، وإما نتيجة لاطلاع قاصر، وتسرع في الوصول إلى نتائج كاذبة مفتعلة. وكلتا العلتين لا تستحق الالتفات، خصوصا وأنه عندما ولد النبي
صلى الله عليه وسلم
لم يكن في حياة عرب الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ما يدل على نهضة مقبلة أو مستقبل باهر، ولم يكن أحد من المعاصرين داخل الجزيرة أو خارجها تحدثه نفسه بأن تلك الأمة ستفتح عما قليل عهدا جديدا في تاريخ العالم، أو تقلب صفحة قشيبة في كتاب الوجود ؛ فتظهر دينا عاما، وتظفر بدولتي الفرس والرومان تحت أعلام دين شعاره التوحيد وغايته إعلاء كلمة الحق ورفعة الإنسانية، ولم يكن في الجزيرة كلها دولة مستقلة ذات شأن يعتد بها أو حكومة قوية يعتمد عليها، وإن يكن أمراء كندة حاولوا في أوائل القرن السادس المسيحي تأسيس مملكة وطنية مستقلة تلم شمل القبائل النازلة بأواسط الجزيرة، أما أرض اليمن أو بلاد العرب السعيدة فكانت على عراقتها وخصوبتها خاضعة للفرس.
ومن محاولات السيادة التي فشلت ما صنعه عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي من أجلاء مكة؛ فقد تخيل خطة سياسية ترفعه إلى الملك، فقدم على قيصر، وكان عثمان يطمع أن يكون ملكا على قريش، وكان من أظرف قريش وأعقلها، فأحسن قيصر وفادته فذكر له عثمان مكة ورغبه فيها، وقد رأى موضع حاجة العرب إليه ومتجرهم من بلاده، وقال له: «تكون مكة زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء.» فاقتنع
1
قيصر برأي عثمان المنطوي على الحيلة، ومن ذا الذي يرفض مستعمرة تجارية غنية كمكة بها معبد يحج إليه الناس من كل فج؟! فكتب قيصر كتابا إلى قريش وملك عليهم عثمان، فلما قدم عثمان جمع القبيلة وخطب فيهم قائلا: «يا قوم، إن قيصر قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والأوهاب فأجمع ذلك ثم أبعث به إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه.» وهي خطبة تدل على ضعف خلقه. فلما سمعوا ذلك خافوا قيصر وأخذ بقلوبهم ما ذكر من متجرهم، فأجمعوا على أن يعقدوا التاج على رأس عثمان عشية وفارقوه على ذلك، ولما طاف عشية ظهر ابن عمه أبو زمعة الأسود بن المطلب بن أسد فصاح في قريش وهم على أحفل ما كانوا في الطواف، وألقى خطبة معارضة قال: «عباد الله، ملك تهامة؟!»
فانحاسوا انحياس حمر الوحش، ثم قالوا: «صدقت واللات العزى ما كان بتهامة ملك قط!» وانتقضت قريش عما كانت قالت لعثمان، فحنق عليهم ولحق بقيصر ليعلمه، وأصدر قيصر أمره إلى عمرو بن جفنة الغساني أن يحبس لعثمان كل من أراد حبسه من تجار قريش بالشام، فنفذ عمرو هذا الأمر .
ولم يلبث أن دبرت مؤامرة لاغتيال عثمان؛ فدسوا له السم في الطعام فمات؛ وهكذا ذهب أبو عفان ضحية أطماعه وفريسة تعلقه بعرش لم ينصب في قوم ألفوا حكم الجماعة المشوب بالفوضى، ولا تخلو القصة على تفاهتها من طرافة تنبئ بمطامع الاستعمار الغربي في الشرق من قديم، وتكشف القناع عن سياسي جاهلي يغري ملكا قويا بقومه ثم يعقد معه محالفة في غفلة منهم. كان ذلك حوالي سنة 520ب.م. وبعد ذلك بخمسين عاما ولد النبي
صلى الله عليه وسلم (570ب.م) وفي 610 بعث، وفي 622 هاجر من مكة إلى المدينة. وقد تدل مقارنة هذه التواريخ المتقاربة على أن فكرة أمراء كندة التي رمت إلى توحيد كلمة عرب الوسط كانت مقدمة حرية أقرب إلى الأماني التي تجول في صدور الشعوب المتطلعة إلى الحياة منها إلى الحقائق التاريخية، ولكن تلك المقدمة لم تعد الأفكار لظهور دولة يبدأ بها التاريخ الصحيح للأمة العربية؛ فقد سقطت أسرة بني كندة، وسارت الفوضى من جديد في قبائل نجد والحجاز الرحالة التي لا تستقر، وتتبع المرعى والماء أينما كانا.
وفيما عدا ذلك سادت الجزيرة إحدى السلطتين الأجنبيتين اللتين كانتا تتزاحمان على الشرق تزاحم دول أوروبا في هذا الزمان، تلكما دولة الفرس ودولة الرومان، فتغلغلتا في قلب الجزيرة العربية، ولكل منهما دويلة تؤيدها وتنشر نفوذها، فهؤلاء الغسانيون في حوران يناصرون الرومان ويؤيدون سلطة عاهل الروم ويحكمون باسمه ويتهددون بني جلدتهم بقوته وجبروته.
Bilinmeyen sayfa