أنه وجد قبل الميلاد بثلاثمائة وألفي سنة، وقد أدخله جامعو التوراة في العهد القديم؛ لأنهم حسبوه تارة من كلام موسى وتارة من كلام سليمان، وكان جامعو النسخة السريانية من التوراة يضعون كتابه بعد كتب موسى وقبل كتاب يشوع، ولكنه أقدم من ذلك ولو لم نأخذ بتقدير الفلكيين ... لأنه لم يذكر شيئا عن قصة الخروج من مصر وهي أهم القصص في تاريخ العبريين، فلا يسكت عنها من سمع بها في برية بلاد العرب، ولا بد أن يسمع بها من أقام هناك بعد خروج العبريين من مصر إن كان زمان أيوب بعد زمان موسى - عليهما السلام. •••
وفي أيام موسى - عليه السلام - كان العبريون يحتكمون إلى نبي من العرب يقيم على نهر الفرات يسمونه بلعام، ويظن بعضهم أنه مرادف لاسم لقمان، ويقول سفر العدد إنه حكم للعبريين على الموآبيين وأيد نبوءات يعقوب.
وما لم يذكره العبريون في كتبهم عن النبوءات في بلاد العرب أكثر مما ذكروه، فإنما عناهم في سجلاتهم أن يذكروا التزكية والتأييد، ولا يذهبوا مذهب الاستقصاء في تسجيل جميع النبوءات التي سمعوا بها، وقد يكون هنالك ما لم يسمعوا به ولم يكن مما يرتضونه لو أنهم سمعوه.
فليس سكوتهم عن هود وصالح وذي الكفل الذين ذكرهم القرآن الكريم بحجة على خلو البلاد العربية من الأنبياء غير من ذكروه، وما كانت قبائل عاد وثمود لتخلو من رسل الدين. وقد قام هؤلاء الرسل بالدعوة في مدين وتيماء قبل الدعوة الموسوية، وإنما أعرض العبريون عن ذكرهم؛ لأنهم جعلوا مصيرهم بعد قيام مملكتهم مرتهنا بمصير بيت المقدس، وسكتوا قصدا عن «الجنوب» بعد أن كانت قبلتهم كلها إليه.
فهم قد درجوا من أرض الجنوب في الجزيرة العربية، وظلوا بعد ذلك زهاء ألف سنة يلتفتون إلى مواطنهم الأولى ويترقبون الحكمة منها.
فإبراهيم توجه إلى جيرار، وموسى توجه إلى مدين، وكان أرميا يهتف في مراثيه سائلا: «ألا حكمة بعد في تيمان؟ هل بادت المشورة من الفهماء؟» وتيمان تقابل في لغتنا الحديثة كلمة يمن بجميع معانيها.
بل بقيت عادة التوجه إلى الجنوب عند رسل القوم إلى ما بعد قيام المسيحية؛ فكان بولس الرسول يقول في كتاب غلاطية إنه ذهب إلى بلاد العرب قبل مسيره إلى دمشق.
أما تركيز القداسة في أورشليم، فهو شيء جديد طارئ بعد أيام موسى بزمن طويل، فبقيت أورشليم في أيدي اليبوسيين بعد موسى بقرون عدة، ولم يطردهم منها أبناء بنيامين بعد نزولهم بجوارها، وبعد أيام داود جاء ملك من ذرية إبراهيم - يسمى يهواش - فهدم سورها وأخذ ودائع الذهب والفضة من خزائنها، وقال سفر الملوك عنه: إنه مات فاضطجع مع آبائه، أي: مات مرضيا عنه في اصطلاحهم المألوف.
إنما تحول القوم باتجاههم من الجنوب إلى بيت المقدس بعد ارتباط الهيكل بمصير بيت داود، وتعليق أملهم في الخلاص بعودة الملك إلى ذلك البيت في آخر الزمان.
وأما قبل ذلك، فقد كانوا يستقبلون الجنوب ويلوذون به ويتعلمون منه، ولم يأخذ منهم الجنوب شيئا من ثقافته الدينية في أيام دولتهم ولا بعد أيامها. ولن تكون الدعوة المحمدية التي ارتفعت من بلاد العرب فرعا من هذا الأصل الذي لم يتأصل قط في الوحدانية؛ فإن الدعوة إلى عبادة رب العالمين دين لا يلتقي بدين العصبية المنعزلة في طريق واحد، وإن نبوة الداعي الذي لا يعرف من النبوة غير الهداية لطراز من النبوة لا يختلط بالتنجيم.
Bilinmeyen sayfa