" هل دعيتم إلى الإسلام، فقالوا: لا، فخلى سبيلهم "
، وقال النحام بن زيد قردم بن كعب وبحرى بن عمرو: يا محمد ما نعلم مع الله إلها غيره، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو "
، فنزل قوله تعالى { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } إنكارا لصحة الشهادة وتصريح ببطلانها، وذلك تقريع لهم واستبعاد وتوبيخ وإلجاء إلى الإقرار بأنهم أشركوا ولا يجدون إنكارا لإشراك { قل لا أشهد } بأن مع الله آلهة أخر، ولا إلهين معه، ولا إله معه، أى لا أشهد بالشركة، فإن المعبود لا يتعدد، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى تعدد الآلهة لأنه معتقدهم { قل إنما هو } أى الله { إله واحد } لا إله معه، وإنما للحصر وما كافة، ويجوز أن تكون موصولة أو موصوفة بجملة هو إله، فيكون خبر إن هوقوله واحد، أى إن الشئ الذى هو إله هو واحد لا متعدد، أو إن شيئا هو إله هو واحد لا متعدد، ومع ضعف الوجهين ورجحان كون ما للحصر كما هو المتعين فى قوله تعالى
إنما الله إله واحد
[النساء: 171] قد يكونان أليق بما قبل لأن فيهما مساق الحجة والبرهان، أى لا أشهد لأن ما استحق الألوهية لا يقبل التعدد { وإننى برئ مما تشركون } أى من إشراككم، أو من ألوهة ما تشركونه من الأصنام، ويستحب لمن أسلم أولا أو كرر الشهادة أو يقول عقب ذلك وإننى برئ من الإشراك ومن كل دين سوى دين الإسلام، ولما أنكر اليهود والنصارى أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أو صفة فى التوراة والإنجيل ولا غيرهما بالنبوءة وأنكروه نزل قوله تعالى:
{ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } أى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة والإنجيل بأسمائه وصفاته { كما يعرفون أبناءهم } أنهم أبناؤهم بمعاينة الولادة أو المعاشرة أو الشبه بهم، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام رضى الله عنه: أنزل الله هذه الآية فما هذه المعرفة؟ فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حيث رأيته كما أعرف ابنى، ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم منى بابنى، لأنى لا أدرى ما صنعت النساء، ويروى: ما أحدثت أمه، ويروى: ما فعلت اليهودية، وأشهد أنه حق أرسل من الله تعالى، ويجوز عود هاء يعرفونه للقرآن لتقدم ذكره، وعودها للتوحيد المعلوم من قبل، فيكون فيه تعريض بشرك أهل الكتاب بإنكار نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكار القرآن كما أشركت النصارى بالمسيح وأمه، واليهود بعزير، وغير ذلك، وعودها إلى كتابهم، أو إلى ذلك كله بتأويل ما ذكر، والمتبادر ما مر أولا، ولا سيما أن تشبيه الإنسان بالإنسان أولى من تشبيه غير الإنسان بالإنسان { الذين خسروا أنفسهم } من أهل الكتاب وغيرهم مبتدأ خبره قوله { فهم لا يؤمنون } زيد فيه الفاء لشبه الذين باسم الشرط أو نعت للذين آتيناهم الكتاب، أو يقدر هم الذين، أو أذم الذين، وعلى الثلاثة الآخرة الفاء عاطفة على الجملة الاسمية قبل، ولا سببية فى الفاء، وهو قليل، وإن عطفنا على خسر فوجه السببية أن خسروا بمعنى ضيعوا النظر بعقولهم، أو قضى عليهم بتضييع ما لهم فى الجنة، فانتفى إيمانهم، وهذا الوجه هو وجه السببية فيما إذا جعلنا الجملة خبرا للذين.
.
[6.21]
{ ومن أظلم } لا أظلم، وهو توبيخ ونفى، { ممن افترى على الله كذبا } قطع كذبا على الله، أو افترى على الله افتراء، وعلى الوجهين الافتراء إثبات الشريك لله، ودعوى بنوة الملائكة لله سبحانه فهذا فى مشركى العرب { أو كذب بآياته } أى القرآن والمعجزات ووصف النبى صلى الله عليه وسلم بخلاف وصفه فى التوراة والإنجيل. وبإنكار أن الله أنزل فى القرآن أنه مذكور بالرسالة فى التوراة والإنجيل، وهذا فى أهل الكتاب المنكرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية فى المشركين وأهل الكتاب، أى لا أظلم ممن افترى، أو من كذب، فكيف من جمع بين الافتراء بما هو باطل لا يثبته من أعمل عقله والتكذيب بما هو ثابت بالحجة، أو الافتراء والتكذيب وكلاهما فى المشركين لأنهم أثبتوا الشريك وكذبوا بالقرآن، أى لا أظلم منهم لو اقتصروا على أحد الأمرين، فكيف وقد جمعوا بينهما، فذلك مفاد ولو لم نجعل أو بمعنى الواو إبقاء على أصلها وحكمة إبقائها على أصلها إفادة أن كلا من الأمرين وحده غاية الإفراط فى الظلم، وبأنهم جمعوا بين أمرين متناقضين، أثبتوا المنفى ونفوا الثابت، ومن شأن النقيضين ألا يجتمعا، وأيضا من نفى ما ثبت بالبرهان أولى بنفى ما لم يثبت، ومن أثبت ما نفى بالبرهان أولى بإثبات ما لم ينف، فالجمع بينهما جمع بين المتناقضين، والرماد نفى أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساويا له، وذلك فى الاستعمال، وأما بالوضع فلا يدل على نفى المساواة، وذلك أن النسبة بين الشيئين تتصور غالبا بالزيادة والنقص فإذا لم يكن أحدهما أزيد تحقق النقص، وقيل دلالة التركيب على نفى المساواة وضعية، وإذا قلت: لا أفضل فى البلد من زيد فغير الأفضل مساو أو ناقص، فاستعمل في أحد فرديه وذلك من قصر الشئ على بعض أفراده، واعترض بأن هذا مشعر بالاستعمال { إنه } أى الواقع الذى لا بد منه وهو الشأن { لا يفلح الظالمون } لا يظفرون بمطلوب ولا يتخلصون من مكروه، وذلك فى مطلق الظالم فكيف من لا أظلم منه.
Bilinmeyen sayfa