فلما بلغ الملك من حديثه هذا الحد ، قطب رئيس الموابدة جبينه مفكرا وعلى نحو ما يقولون :
أضحت قناتك فى الفخار قويمة
أغنت عن التثقيف والتقويم
قال لتعلم أيها الملك إن أهل الدنيا سعداء بمكانك الرفيع وجاهك الواسع ، وقد احتال عليك شيطان عنيد بمثل هذه الحبة من الغم ، فألقى بك فى الشرك فإن كان المليك يأذن بهذا الحديث فى طلب المشورة من عبده فقد قال العقلاء : (من التمس من الإخوان الرخص عند المشورة ومن الأطباء عند المرضى ومن الفقهاء عند الشبهة ازداد تحيرا ومرضا واحتمل وزرا) والحكماء يقولون أحزم الملوك من ملك جد هزله وقهر هواه رأيه وعبر عن ضميره ، ويقول عمر (لا يكونن حبك كلفا ولا بغضك تلفا) مع قرب المزار والتجاوب الذى يصيب بالفم حاشا لله أن يبتلى الملك بمثل هذا البلاء فقد قال : متمرسوا الدنيا (العشق شغل القلب الفارغ) (ولا أرانى الله فراقك)، ولا كان اليوم الذى يفرغ فيه قلبك من العناية بصلاح العالم بعد أن تكون الدنيا وأهلها حيدا حلالا لك فكيف بك تصبح حيدا وفريسة لخيال محال وقد قال العلماء : (زلة العالم لا تقال)، ومعناها إن خطأ العالم لا يغتفر ، كى يتنزه بذاته العظيمة إلى هذه الدرجة عن الأفعال الفطرية (النزوات) التى يقول عنها العرب : وللملوك بداوات قد كانت منزهة ، عن حديث فسق العشق الذى يليق بمصاطب الخلفاء والماجنين لا بمجالس الملوك والأدباء وذلة العشق هى ذل وضلال ، والعاشق متنزل لقلة العقل وكلة البصر ،
خلعت العذارى فى متابعة الهوى
كأنك قد مهدت فى خلعه عذرا
ويجب أن يحضر الطبيب عملا بالمثل أول الحجامة تخدير القفا كى يدرك الخلل الذى وجد طريقه إلى دعائم المزاج ، فلا يصح أن يكون للنقصان أو الرجحان زيادة فيجب تعادل الطبائع وعدم التطرف فيها ، فما فرغ من هذا الحديث نهض وغادر المكان فلما أن سمع الملك حديث الموبد انطوى على نفسه ولاذ بالصبر بضعة أيام ، وفى النهاية هكذا أحال مسلوبى القلوب أن يعدلوا دائما عن كلام العاذل ولا يلقوا إليه بسمعهم وهذا من جنون الشباب وغرور الملك بل إن طبيعة الإنسانية لابن آدم حريص على ما منع فقال الملك :
Sayfa 81