812

فأكرمه العلاء وخرج مع العلاء بن عمرو وسعد الرباب مثل عسكره وسلك بنا الدهناء حتى إذا كنا في بحبوحتها والحنانات والعزافات عن يمينه وشماله وأراد الله عز وجل أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت الإبل في جوف الليل فما بقي عندنا بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل وذلك حين نزل الناس وقبل ان يحطوا فما علمت جمعا هجم عليهم من الغم ما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض ونادى منادي العلاء اجتمعوا فاجتمعنا إليه فقال ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم فقال الناس وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا فقال أيها الناس لا تراعوا ألستم مسلمين ألستم في سبيل الله ألستم أنصار الله قالوا بلى قال فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بنا ومنا المتيمم ومنا من لم يزل على طهوره فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب الشمس فالتفت إلى الصف فقال رائد ينظر ما هذا ففعل ثم رجع فقال سراب فأقبل على الدعاء ثم لمع لهم آخر فكذلك ثم لمع لهم آخر فقال ماء فقام وقام الناس فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه فأناخت إلينا فقام كل رجل إلى ظهره فأخذه فما فقدنا سلكا فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل وتروينا ثم تروحنا وكان أبو هريرة رفيقي فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي كيف علمك بموضع ذلك الماء قلت أنا من أهدى العرب بهذه البلاد قال فكن معي حتى تقيمني عليه فكررت به فأتيت به على ذلك المكان بعينه فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء فقلت له والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم وإذا إداوة مملوءة فقال يا أبا سهم هذا والله المكان ولهذا رجعت ورجعت بك وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفيره فقلت إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها وإن كان غياثا عرفته فإذا من من المن فحمد الله ثم سرنا حتى ننزل هجر قال فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضما في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم مما يليكما وخرج هو فيمن جاء معه وفيمن قدم عليه حتى ينزل عليه مما يلي هجر وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي وخندق المسلمون والمشركون وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم فكانوا كذلك شهرا فبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال فقال العلاء من يأتينا بخبر القوم فقال عبدالله بن حذف أنا آتيكم بخبر القوم وكانت أمه عجلية فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له من أنت فانتسب لهم وجعل ينادي يا أبجراه فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال ما شأنك فقال لا أضيعن الليلة بين اللهازم علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة أيتلاعب بي الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود فتخلصه وقال والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة فقال دعني من هذا وأطعمني فإني قد مت جوعا فقرب له طعاما فأكل ثم قال زودني واحملني وجوزني أنطلق إلى طيتي ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب ففعل وحمله على بعير وزوده وجوزه وخرج عبدالله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين فأخبرهم أن القوم سكارى فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكرهم فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا واقتحموا الخندق هرابا فمترد وناج ودهش ومقتول أو مأسور واستولى المسلمون على ما في العسكر لم يفلت رجل إلا بما عليه فأما أبجر فأفلت وأما الحطم فإنه بعل ودهش وطار فؤاده فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجوسونهم ليركبه فلما وضع رجله في الركاب انقطع به فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم والحطم يستغيث ويقول ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني فرفع صوته فعرف صوته فقال أبو ضبيعة قال نعم قال أعطني رجلك أعقلك فأعطاه رجله يعقله فنفحها فأطنها من الفخذ وتركه فقال أجهز علي فقال إني أحب ألا تموت حتى أمضك وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه فأصيبوا ليلتئذ وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحد من المسلمين إلا قال هل لك في الحطم أن تقتله ويقول ذاك لمن لا يعرفه حتى مر به قيس بن عاصم فقال له ذلك فمال عليه فقتله فلما رأى فخذه نادرة قال واسوأتاه لو علمت الذي به لم أحركه وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم فاتبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب وسلم النسا فكانت رادة وقال عفيف بن المنذر ... فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النسا ... وما كل من يهوى بذلك عالم ... ألم تر أنا قد فللنا حماتهم ... بأسرة عمرو والرباب الأكارم ...

وأسر عفيف بن المنذر الغرور بن سويد فكلمته الرباب فيه وكان أبوه ابن أخت التيم وسألوه أن يجيره فقال للعلاء إني قد أجرت هذا قال ومن هذا قال الغرور قال أنت غررت هؤلاء قال أيها الملك إني لست بالغرور ولكني المغرور قال أسلم فأسلم وبقي بهجر وكان اسمه الغرور وليس بلقب وقتل عفيف المنذر بن سويد بن المنذر أخا الغرور لأمه وأصبح العلاء فقسم الأنفال ونفل رجالا من أهل البلاء ثيابا فكان فيمن نفل عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال فأما ثمامة فنفل ثيابا فيها خميصة ذات أعلام كان الحطم يباهي فيها وباع الثياب وقصد عظم الفلال لدارين فركبوا فيها السفن ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم فكتب العلاء بن الحضرمي إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم وأرسل إلى عتيبة بن النهاس وإلى عامر بن عبدالأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردة بكل سبيل وأمر مسمعا بمبادرتهم وأرسل إلى خصفة التميمي والمثنى بن حارثة الشيباني فأقاموا لأولئك بالطريق فمنهم من أناب فقبلوا منه واشتملوا عليه ومنهم من أبى ولج فمنع من الرجوع فرجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا إلى دارين فجمعهم الله بها وقال في ذلك رجل من بني ضبيعة بن عجل يدعى وهبا يعير من ارتد من بكر بن وائل ... ألم تر أن الله يسبك خلقه ... فيخبث أقوام ويصفو معشر ... لحى الله أقواما أصيبوا بخنعة ... أصابهم زيد الضلال ومعمر ...

Sayfa 289