448

ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر فحدثت عن هشام بن محمد قال كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب ذانية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والحمل على الأشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه عليهم مثل ذلك ولما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه أشراف أهل مملكته واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته بالعدل شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره

وكان ابنه كسرى في عسكره فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها فأخذ ذلك المركب ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على إنفاد أمر هرمز في كسرى ولا في احد ممن كان معه في حشمه فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز فأمر أن يجدع أذنيه ويتبر ذنبه ويغرم كسرى فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة وأنه عار فوقع في محرثة فأخذ من ساعة وقع فيها وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعة وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك وأمر بالمركب فجده أذناه وبتر ذنبه وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان ممره على بساتين وكروم وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فرأى فيه حصرما فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه وقال له اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ فبلغ [ من ] إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه وافتدى نفسه بها ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه منة من بها عليه ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية قد نزعه أخواله الأتراك وكان مقصيا للأشراف وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى فوقع فيها إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا فأقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل [ والأديان ] فيحمدوكم عليهم وتتوق أنفسكم إلى ملتكم

Sayfa 462