ولست أجد السعادة الراكدة في هذه الأشياء الثلاثة، وإنما أجد الكفاح النشيط.
إني أعرف ناسا هانئين راكدين سعداء. ولكن سعادتهم لذلك أشبه بالموت منها بالحياة. وما يحسبونه سعادة هو غفلة ونعاس أو أنانية حيوانية. ولكن السعادة الإنسانية هي أن نهتم بالإنسان والمجتمع، فنقلق، ثم يبعثنا القلق على الكفاح ... ثم تكون سعادة الكفاح.
إننا نولد مرة واحدة من أمهاتنا، وميلادنا هذا يعين لون بشرتنا ومقدار قامتنا ونحو ذلك. ولكن الإنسان الذي يكبر ويسير نحو النضج يحتاج إلى أن يولد قبل السبعين نحو عشر مرات. وهو عندئذ لا «يصل» إلى سن السبعين أو الثمانين وإنما ينمو إليها؛ فإن النمو هو شعار الحياة الحية.
لقد كان أول ميلادي - بعد سن المراهقة - حين عرفت نظرية التطور، فأحسست بها أن عقلي قد كبر وأن نظرتي قد أصبحت تشمل الكون، وأني أحاول الشمول والاستيعاب، وأن لي ديانة تربطنى بأقصى النجوم والكواكب وأحط الديدان والحيوان، وأني مسئول أمام الحياة والإنسانية.
وامتدت أمامي دراسات ما زلت أتابعها بسبب هذه النظرية. وهي دراسات تتعدد وتتنوع وتتناول خميرة العجين وجسيمات الذرة ومنشأ السحر ومستقبل الإنسان.
لقد عرفت برناردشو، وفكرت كثيرا في معنى الشخصية الإنسانية في درامات إبسن، وعرفت الحبيب المجنون نيتشه، وصحوت على الحضارة الأوروبية وهبطت على أسسها في الصناعة والعلم، وأعجبت بجوتيه، واجتررت كثيرا، مع فرويد، أسرار النفس الإنسانية، ودرست الغصن الذهبي، وسحرني دستوفسكى وبقيت في السحر حتى أنهضني منه جوركي.
وكنت كلما اكتشفت واحدا من هؤلاء أحسست بميلاد جديد.
كنت وأنا في سن الأربعين أو الخمسين، عندما كانت الحياة ترهقني بتكاليفها وأعبائها، أهفو إلى الريف وأحلم بالراحة والهناء في سذاجته وأتمنى قضاء السنين الأخيرة من العمر فيه حيث البساطة في كل شيء كما فعل روسو.
ولكني الآن لم أعد أسيغ هذا الحلم، هذا الفرار من أعباء الإنسانية، بل أصبح همي أن أزيد هذه الأعباء بأن أستوعب مشكلات العالم وأدرس ثقافته. وأحس كلما زادت هذه المشكلات وتعقدت أن مسئوليتي قد زادت أيضا. والرجل المثقف الذي ينشد الريف وسذاجته وراحته هو جندي فار من معركة الخير والشر التي يجب أن يعرف مكانه فيها.
وقد كنت أيضا أفكر في هواية ما تخفف من جد الحياة وضغط المسئوليات. بل لقد نصحت الشبان بأن يختاروا إحدى الهوايات ويتعلقوا بها. ولكني أحس الآن أن الهواية فرار آخر من الحياة، وأننا يجب ألا ننشد التسلية وتزجية الوقت بل ننهض بعمل إيجابي كفاحي لخير الإنسانية.
Bilinmeyen sayfa