235

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي..

[المجادلة: 21]. إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له. عندما تقرأ { كتب عليكم } فافهم أن فيها إلزاما ومشقة، وهي على عكس " كتب لكم " مثل قوله تعالى:

قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا..

[التوبة: 51]. إن " كتب لنا " تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوبا له القصاص، إذن كل " عليك " مقابلها " لك " ، وأنت عرضة أن تكون قاتلا أو مقتولا. فإن كنت مقتولا فالله كتب لك. وإن كنت قاتلا فقد كتب الله عليك. لأن الذي " لي " لابد أن يكون " على " غيري، والذي " علي " لابد أن يكون " لغيري ". فالتشريع لا يشرع لفرد واحد وإنما يشرع للناس أجمعين. عندما يقول: { كتب عليكم القصاص } [البقرة: 178]، ثم يقول في الآية التي بعدها:

ولكم في القصاص حياة

[البقرة: 179]، فهو سبحانه قد جاء ب " لكم " ، و " عليكم ". " عليكم " للقاتل، و " لكم " لولي المقتول. فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد، والعقود دائما تراعي مصلحة الطرفين. { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر } [البقرة: 178]. من هو الحر؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال: حر المال يعني أكرم ما في المال. و " الحر " في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد. و " الحر " من البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز. والحق سبحانه يقول: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، وظاهر النص أن الحر لا يقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول: { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } [البقرة: 178]، لكن ماذا يحدث لو أن عبدا قتل حرا، أو قتلت امرأة رجلا هل نقتلهما أم لا؟ إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يشرع أن الحر لا يقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حرا، والعبد يقتل إن قتل عبدا، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه.

إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر. ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تصعد الثأر فتأخذ به حرا، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكرا. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسما تدريجيا، لذلك جاء بهذا الأمر { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } [البقرة: 178]. إذن، فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجا يحسم هذه المغالاة في الثأر. وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا. لذلك، فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حرا. إذن، فالحق يشرع أمرا يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حرا. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق:

وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 45].

وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس. وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين. إن الحق جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ. وبعد ذلك يرقق الله قلب ولي الدم فيقول: { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان } [البقرة: 178]. وإذا تأملنا قوله: { فمن عفي له من أخيه } [البقرة: 178] فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو. ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول: لا تنس الأخوة الإيمانية { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } [البقرة: 178]. وساعة يقول الحق كلمة " أخ " فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب؟ مثل قوله تعالى:

Bilinmeyen sayfa