793

49

{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } إن مفسرة لمعطوف على أنزلنا إليك الكتاب ، أى أمرناك أن احكم أو أوحينا إليك أن احكم ، ثم رأيت أنه اعترض بأنه لم يحفظ حذف المفسر بأن ، قلنا هذا لصحته معنى أولى من جعلها مصدرية دخلت على الطلب إذ لا معنى لذلك ، فعندى لا يدخل حرف المصدرية على الأمر والنفى لأن المصدر له خارج والأمر والنهى طلب لا خارج له فلا تقدر وبأن احكم عطفا على بالحق ولا وأمرناك بأن احكم وما أوهم ذلك مؤول فكذلك لا يصح أن تجعل مصدرية ويعطف المصدر على الكتاب أى أنزلنا إليك الكتاب والحكم بينهم ، أو على الحق أى بالحق وبالحكم وليس ذكر الحكم هنا تكريرا لأن الأول في الرجم وهذا فى الدماء والديات ، ولأن هذا فى قول أحبار اليهود اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وإن بينا وبين قومنا خصومة فاحكم لنا عليهم نؤمن بك فنزل قوله تعالى { واحذرهم أن يفتوك عن بعض ما أنزل الله إليك } إلخ مع قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ، ثم إنه لا مانع من أنه ذكر الحكم تأكيدا ومصدر يفتن بدل اشتمال من الهاء أو مفعول من أجله على حذف المضاف الستكمل لشروطه أى مخافة أن يفتنوك أى مخافة فتنتهم إياك ، واستدل بالآية على جواز الغلط والنسيان في حق الرسل لأنه أمر بالحذر ، وعمد قبول فتنتهم لا تتوهمه منه A { فإن تولوا } عما أنزل إليك وأرادوا غيره أو أمسكوا عنه وعن غيره { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم } يعاقبهم في الدنيا بالقتل والسبى والجلاء ، أجلى النضير وقتل قريظة وأعم من ذلك ما عدا قينقاع وأهل خيبر { ببعض ذنوبهم } هو ذلك التولى وعبر عنه بالبعض تعظيما له بالإبهام ، ويعاقبهم عليه وعلى سائر ذنوبهم في الآخرة لأن المصيبة كفارة لمن لم يصر ، وذكر البعض مضافا للذنوب إشعار بأن لهم ذنوبا كثيرة يكفى واحد منها في الأخذ ، وأبهم البعض تعظيما له وهو التولى وإن بعضا منها أيا كان يوجب إهلاكهم في الدنيا والباقى في الآخرة ، وقيل المراد بالبعض الكل كما يعكس ولا يمنع من إرادة الكل كون الإصابة في الدنيا لجواز أن بمصيبة واحدة في الدنيا بذنوبهم كلها ويعاقبهم بها كلها في الآخرة لأنهم أصروا ، والآية دليل على أن الله أراد المعصية كما أراد الطاعة لأنه لا يريد إصابتهم إلا وقد أراد معصيتهم بأن نهاهم ولم ينتهوا { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } خارجون عما أمر الله به أو عن ترك ما نهى عنه إنكار له أو تشهيا ، والمراد أن مثل هؤلاء اليهود كثير وهم من لم يزدجر ولم يأتمر وأما التمرد في الفسق والاعتداء فيه فلا دلالة في الآية عليهما ، اللهم إلا على معنى أثبتنا القصاص فى فى التوراة وقررناه في الإنجيل وأنزلنا عليك الكتاب مصدقا لما فيهما ومع ذلك كله لم يؤمنوا به وخرجوا عنه .

Sayfa 296