378

26

{ قل اللهم } مفادى ، والميم عوض عن أصل حروف النداء ، وهو يا ، ولكونه حرفين ياء وألف شددت الميم فتكون حرفين ، وخصت الميم لشبهها بالواو التى هى حرف علة كثرت زيادتها ، وتكون مع الألف حرف نداء فى الندبة ، وقلت فى غيرها ، ولأنها أخت الياء التى هى بعض يا { مالك الملك } كله ، يتصرف فى الأشياء بما يشاء ، إيجاد وإعداما ، وإماتة وإحياء ، وتعذيبا وإثابة ، وتنبئة وإرسالا ، وغير ذلك ، على الإطلاق بلا مشاركة ، وزعم بعض أنه النبوة ، وقيل ، المال والعبيد ، وقيل ، الدنيا والآخرة ، وقيل ، المعنى مالك الملوك ووراثهم ، كما جاء ، أنا الله مالك الملوك ، ومالك الملك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدى ، فإن العباد أطاعونى جعلهم عليهم رحمة ، وإن هم عصونى جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسب الملوك ، ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ، ونصب مالك على النداء ، وقيل على التقية لله ، إذ محله المنصب ، وهو قول المبرد والزجاج ويبحث فيه بأن اتصال الميم به شبهه باسم الصوت واسم الفعل ، وخالف سائر المركبات التى تنعت كسيبويه فإن حرف البناء فيه قبل الميم وهو بالهاء المضمومة ، وضمة النداء تشبه حركة الإعراب ، قيل ، ولو نعت لكان بعد النعت ، لأنها عوض حرف النداء ، وهو لا يكون وسطا { تؤتى الملك } المعهود فى الأذهان ، وهو بعض الملك العام ، أو تؤتى الملك العام المذكور ، أو العام المذكور ، أى بعضه { ممن تشآء } منهم ، قال البهقى وابن جرير إنه A لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ظهرت فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى رسول الله A يخبره ، فجاء ، فأخذ المعول منه ، فضربها ضربة صدعتها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ، حتى لكأن مصباحا فى جوف بيت مظلم ، فكبر وكبر معه المسلمون ، فقال : أضاءت لى منها قصور الحيرة ، كأنها أنياب الكلاب ، أى بياضا وصفرة ، وانضماما وتمايزا بشرافات ، ثم ضرب الثانية فقال ، أضاءت لى منها القصور الحمر من أرض الروم ، لأنها بالآجر ، ولقدمها ، ثم ضرب الثالثة ، فقال أضاءت لى منها قصور صنعاء ، وأخبرنى جبريل بأن أمتى ظاهرة عليها كلها فأبشروا ، فقال الكافرون : ألا تعجبون ، يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخيركم أنه يرى من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم ، وإنام تحفرون الخندق من الخوف ، فنزلت الآية : قل اللهم مالك الملك ، وبسطت الحديث فى شرح النونية :

تيمم نجدا فى تلهفه الجانى ... يؤم رسول الله للإنس والجان

ولما فتح مكة ذكر أنه سيفتح الله الروم والفرس له ، فقال بعض المنافقين : يكفيه مكة والمدينة ، وأما فارس والروم فهم أبعد شىء أن ينالهما فقيل : نزلت الآية فى هذا متأخرة عن زمان الحفر ، والخندق معرب كندة ، قيل وأنياب الكلاب ذم لهم وإهانة لما لهم ، والمراد بالكافرين المنافقون بإضمار الشرك كما صرح فى رواية بالمنافقين ، والمراد بالنزع ترك الإعطاء من أول ، كقولك : ضيق فم البئر ، أى احفره ضيقا ، أو مطلق الترك فيشمل النزع بعد الإعطاء وعدم الإعطاء من أول فهو من عموم المجاز ، أو على ظاهره ، على أن الملك الثانى النبوة ، والرسالة بعض الملك العام ، أو معهود ذهنا ، والثالث عهد الثانى ، أى تنزع النبوة والرسالة من بنى إسرائيل ، وتؤتاها العرب ، ولا ضعف فى وصف هذا بالنزع والنقل ، بل جاء مثله فى أحاديث ، أو أريد الترك من أول ، نعم إطلاق الملك على النبوة مجاز يجتاج لقرينة تخصها لكن قد فسر بذلك قوله تعالى : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ، والنزع بالموت و الجنون ولامرض ، وإزالة إبراهيم الكتاب والحواس وتلف الأموال ، وقوة النزاع ، ومن المسلم للكافر ، ومن الكفر للمسلم ، ومن كافر لكافر ، ومسلم لمسلم ، ومن عادل لجائر أو عادل ، أو منه لعادل أو جائر { وتعز من تشآء } بإيتاء الملك كالنبى والمؤمنين { وتذل من تشآء } بنزعة ، كفارس والروم والمشركين من العرب وغيرهم ، واليهود والنصارى بالقتل والجزية أو تعز من تشاء فى الدنيا بالنصر والتوفيق ، أو بهما فى الدنيا والآخرة ، وتذل من تشاء فيهما بعدم النصرة أو بعدم التوفيق ، أو بهما أو تعز من تشاء فى الدنيا أو الآخرة ، أو فيهما ، وتذل من تشاء كذلك { بيدك الخير } والشر ، دنيا وأخرى ، وخص الخير بالذكر لأنه مرغوب فيه وأنسب بما نزلت فيه الآية من ملك الحيرة والروم واليمن ، ولأنه مقضى بالذات والشر بالعرض ، ولأنه أنسب بالخطاب المراد به الجلب باللين { إنك على كل شىء قدير } ومن قدرته ما فى قوله تعالى :

Sayfa 378