Tefsir
تفسير صدر المتألهين
ومما يوضح ذلك: أن كل من عبد الله وسجد له، لا بد أن يتصوره في ضميره بوجه من الوجوه، ويشاهده في باطنه، إذ العبادة والسجدة للمجهول المطلق محال، ولهذا قد ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله).
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
ثم إنك كل ما تصورته أو تخيلته عن الله فهو سبحانه وراء ذلك، فإن نظرت إليه بما هو صورة معينة لها صفات معينة إمكانية أو مكانية، فقد عبدت غير الله وسجدت لسواه: وإن نظرت إلى الحق وجعلتها مرآة لملاحظة المعبود الحقيقي، ولم تجعل النظر نظرين - نظرا إلى المرآة، ونظرا إلى المرئي - فقد عبدت الله مخلصا محسنا.
فإذا جاز أن تكون الصورة المعقولة أو المتخيلة وجها من وجوه الحق المسجود له، فلم لا يجوز أن [تكون] الصورة الآدمية، التي هي مظهر أسماء الله الحسنى ومجلى صفاته كلها، مسجودا للملائكة على وجه لم يكن المنظور إليه والمعبود غير الذات الأحدية؟
فصل فيه شرح
الأقوال في سجود الملائكة لآدم
أجمع المسلمون على أن السجود بمعنى العبادة لغير الله كفر، والكفر لا يكون مأمورا به. ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: إن ذلك السجود كان لله، وآدم (عليه السلام) كان كالقبلة. واعترض عليه بوجهين:
أحدهما: إن السجدة إذا نسبت إلى ما هو كالقبلة عديت بغير اللام فلا يقال: صليت للقبلة أو للمسجد. بل إلى القبلة، وفي المسجد. فلو كان آدم قبلة لهذا السجود لوجب أن يقال: اسجدوا إلى آدم. وإذ ليس فليس.
والثاني: إن قول إبليس: " أرأيتك هذا الذي كرمت على " وغير ذلك ما صدر منه الإباء، والاستكبار، والإغواء، لأولاده، والعداوة والبغضاء إلى يوم الدين يدل على أنه أعظم حالا من الساجد، ولو كان قبلة لما حصلت له هذه الدرجة التي انبسطت شهرتها في مجامع القدس، ومصاقع الجبروت، وقرعت أصواتها السوامع في صوامع الملكوت.
Bilinmeyen sayfa