Tefsir
تفسير صدر المتألهين
ثم إن الإجماع متحقق من هذه الأمة - بل من الأمم كلها -، على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله، لأنه ما دعى أحدا إلى الكفر، بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، كما أنه رغب في الهداية وأمر بالهدى ووعد بالثواب، وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل، وفتحوا باب التصرف في الأقاويل.
أما أهل الجبر وأصحاب أبي الحسن الأشعري، فلعدم التزامهم قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، ولا محافظتهم على القوانين العقلية، حملوا الإضلال المنسوب إليه تعالى على كونه خالق الضلال والكفر فيهم، فصدهم عن الايمان وحال بينهم وبينه؛ وربما قالوا: " هذا هو حقيقة اللفظ بحسب اللغة، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالا، كما أن الإخراج والإدخال عبارتان عن جعل الشيء خارجا وداخلا ".
وقالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز لغة وعقلا؛ أما اللغة فلوجوه:
أحدها: أنه لا يقال لمن منع غيره عن سلوك الطريق جبرا: " أنه أضله " ، بل يقال " صرفه ومنعه " ، وإنما يقال: " أضله " ، إذا أغواه ولبس عليه.
وثانيها: أنه وصف ابليس وفرعون وغيرهما بالإضلال، وهم ما كانوا خالقين للضلال في قلب أحد بالاتفاق، مع إن إطلاق لفظ " المضل " عليهم، على سبيل الحقيقة اللغوية دون المجاز
وثالثها: أن الإضلال في مقابلة الهداية، فكما صح أن يقال: " هديته فما اهتدى " ، وجب صحة أن يقال: " أضللته فما ضل " وإذا كان كذلك، استحال حمل الإضلال على خلق الضلال.
أقول: وهذه الوجوه الثلاثة في غاية السقوط والاندفاع عند من أحاط بمذاهب الفريقين وأغراضهما:
أما اندفاع الأول: فلأن غرضهم من خلق الضلال فيهم، ومنعهم وصدهم عن السبيل، هو إنشاء الوسوسة في قلوبهم، كما في قوله تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس:7 - 8]. فعندهم هو الموسوس بالحقيقة.
Bilinmeyen sayfa