Tefsir
تفسير صدر المتألهين
وذلك لأن بناء هذا الإلزام من إبطال التحدي على رأي أصحابه - النافين للأسباب والعلل -، من جهة أن نسبة المتحدي وغير المتحدي إلى المتحدى به واحدة، وليس - ولا واحد منهما - مما له مدخل في وجود ذلك الأمر بوجه من وجوه المدخلية - ككونه فاعلا أو غاية أو شرطا أو معدا أو غير ذلك من الأسباب والشروط -، فلا معنى للتحدي بأمر غير مختص بواحد دون واحد.
وأما إذا كان ورود الفضائل والكمالات، وفيضان العلوم والخيرات من الله على بعض النفوس والذوات دون بعض، من جهة أعماله السابقة المقربة، ونياته المتقدمة والمهيئة، وفكره وذكره وطاعته وعبادته، فلا يرد ذلك أصلا، لأن تلك السوابق، مخصصات للعبد باستحقاق منقبة خاصة.
وتلك السوابق، وإن كانت كلها أيضا واردة عليه من قبل الله ورحمته - لا منبعثة من ذات العبد -، إلا أنها تقربه وتزلفه إلى الله، وتخصصه لقبول العناية الإلهية، فيصح لأحد على هذا الوجه دعوى النبوة، واثباتها بالتحدي بفضيلة زائدة على فضائل سائر الناس، ومنقبة فائقة على مناقبهم، خارجة عن حد طاقتهم ووسع قوتهم وقدرتهم.
ولا يمكن حينئذ لأحد إبطال قوله؛ بأن هذا المتحدى به ليس فعلك - بل من فعل الله -، فأي اختصاص له بك؟ وأي منقبة حصلت لك منه دون أقرانك وأمثالك؟ لأن له أن يقول: إن جميع الأمور، وإن كانت حاصلة بقضاء الله وتقديره، إلا أن قضاءه وقدره يوجبان ما يوجبان بتوسيط مقدمات وسوابق، وأسباب وبواعث، كلها راجعة إليه أيضا.
ومن جملة تلك الأسباب إرادة العبد وطاعته وذكره وعبادته، فسوابق الطاعات، ومقدمات العبادات من عبد توجب له التقرب إلى الله زلفى، وهذا التقرب قرب معنوي ودنو عقلي بحسب الشرف والفضيلة الذاتية - لا بحسب الوضع والرتبة المكانية -، وأفراد البشر وإن كانت متساوية في الجسمية والبشرية، لكنها بعد انتقالاتها وحركاتها إلى الأعراض، وتطويرها في الأطوار، واكتسابها للخيرات والشرور، واقتنائها للفضائل والرذائل، تصير متخالفة الذوات والصفات بحسب البواطن والقلوب.
فمن القلوب ما هو أبيض منير كالشمس، ومنها ما هو أسود مظلم كالقير، فهل هذا التفاوت إلا بأمور ذاتية مجعولة من الله، حاصلة من مواهبه وعطاياه؟ وليست أفراد الإنسان متساوية فيها، كما قال تعالى:
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر:9].
فالنبوة، وإن لم تكن مكسوبة للعبد، إلا انها فائضة من الله على قلب مطهر بطهارة الأخلاق والرياضات، منور بنور المعارف والخيرات، كمن يكنس من جملة عبيد السلطان بيته من الأرجاس والأخباث والكثائف، وينظفه بفنون التنظيفات، ويطيبه بأنواع الطيب والبخورات الحسنة انتظارا لقدومه - بما لم يفعل سائر العبيد والخدام - فليس من الحكمة والعدالة السلطانية، أن لا ينزل في بيته وينزل في بيت غيره - مع تساوي نسبة قدرة السلطان إلى الجميع -.
فهكذا قلب النبي (صلى الله عليه وآله)، كان طاهرا كالسقف المرفوع من جميع الخبائث السفلية النفسانية، والصفات البشرية، منورا كالبيت المعمور بأنوار العلوم والطاعات، فصار بيت الله مورد آيات بينات منه، فيه مقام ابراهيم من التوحيد وسائر المقامات.
Bilinmeyen sayfa