Tefsir
تفسير صدر المتألهين
وعن الثاني: أن الذم في الفعل القبيح يرجع الى المباشر: لانفعاله به وتأثره عنه، ولا يرجع الى فاعل الكل، لتقدسه وبراءته عن الانفعال والتغير، ولكونه يفعل الأشياء لأجل الخير والحكمة والرحمة الواسعة، من غير أن يعود إليه خيرها أو شرها.
ومما يبين ويحقق هذا، أن نسبة السواد مثلا الى الفاعل الموجد له، آكد وأشد من نسبته الى القابل لأن نسبته الى الفاعل بالإيجاب والإقتضاء، ونسبته الى القابل بالإمكان والصحة، ومع ذلك لا يقال لموجد السواد: إنه أسود، كما يقال لقابله، وذلك لوجود التأثر والانحصار ها هنا دون هناك، وكذا لا يطلق على موجد اللون والطعم الصابغ والطاعم بالمعنى الذي يطلق على المباشر. فلا يقال للباري: إنه صباغ مع أنه موجد جميع الأصباغ والألوان على أحسن الوجوه، كما في قوله:
ومن أحسن من الله صبغة
[البقرة:138]. وكذا لا يقال للباري جل اسمه: إنه نجار أو بناء بالمعنى الذي يقال للإنسان، وذلك لأنه يفعل النجر والبناء على وجه أعلى وأشرف مما يفعله النجار والبناء، لأن الفعل وقع منهما على سبيل المباشرة، ومنه تعالى على وجه الابداع والعناية. ومثال ما ذكرناه النفس الإنسانية، فإنها على بينة من ربها، من عرفها فقد عرف ربه، أولا ترى ان النفس مع تجردها ووحدتها، وكونها من عالم علوي، تفعل في البدن جميع الأفاعيل المنسوبة في غيره من الأجساد النباتية والجمادية الى القوى الجسمانية، مثل الهضم والطبح والنضج، ودفع الفضلات وسائر الاستحالات، وسائر الأفاعيل الجمادية والنباتية، ومع ذلك ليست بجماد ولا نبات؟
وكذلك تلمس وتشم وتذوق وليست لامسة ولا شامة ولا ذائقة، بل هي خارجة عن عالم البصر والسمع، بل عن عالم التخيل والوهم، ولا يخلو عنها عضو من الأعضاء وقوة من القوى.
وهناك يظهر معنى قوله (صلى الله عليه وآله):
" إنه فوق كل شيء وتحت كل شيء، قد ملأ كل شيء عظمته، فلم يخل منه أرض ولا سماء، ولا بر ولا بحر ولا هواء، هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء؛ وهو الظاهر ليس فوقه شيء وهو الباطن ليس دونه شيء، فلو دلى على الأرض السفلى لهبط على الله ".
وسر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): هو عين كل شيء لا بمزاولة وغير كل شيء لا بمزايلة.
وعن الثالث: ما مر أن فائدة البعثة والإنزال ترجع الى اهل الإيمان بالتنوير والتكميل لقلوبهم الصحيحة، والى المنافقين بتنقية قلوبهم المريضة والتبعيد والطرد لهم، وتبليغ الحجة عليهم، كما أن فائدة ضوء الشمس إنما ترجع الى العيون السليمة، ولا تزيد الخفافيش إلا فرارا ووحشة ونفورا، ثم تكون عليهم حسرة وعلى نفورهم حجة.
وعن الرابع: بمثل ما مر.
Bilinmeyen sayfa