Tefsir
تفسير صدر المتألهين
والسمع والبصر هما مشعران للإنسان، اللذان هما بابا الفهم والاعتبار، فحرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما الى القلب، فلا سبيل لهم في الباطن القلبي الى عالم العلم الإلهي الكشفي، ولا في الظاهر السمعي والبصري الى الباطن القلبي والعلم التعليمي الكسبي.
فحبسوا في سجون الظلمات، وحبوس التعلقات، وقيود الجحيم والسلاسل والأغلال، والعذاب المقيم، فما أشد عذابهم.
ولما ذكر تعالى أوصاف القسمين، أعني المؤمنين والكافرين مطلقا، ثلث بذكر القسم الثالث، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، تكميلا للتقسيم، وهم أخبث قلبا من الكفرة، وأبغضهم الى الله لأنهم موهوا الكفر بالإيمان، فخلطوا به خداعا واستهزاء، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزائهم، وتهكم بأفعالهم، وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب فيهم الأمثال وأنزل فيهم:
إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار
[النساء:145] لأنهم مع ادعائهم للإيمان بقولهم: { آمنا بالله وباليوم الآخر } سلب عنهم الايمان وما هم بمؤمنين.
لأن حقيقته العلم بحقائق الأمور الإلهية، ومحله هو القلب لا اللسان:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات:14]. ومعنى قولهم: { آمنا بالله وباليوم الآخر } ادعاؤهم لعلمي التوحيد والمعاد للذين هما أصل الدين وأساسه، أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق، ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد، لأن اعتقاد أهل الكتاب ليس مطابقا للحق والصواب.
واعلم أن الكفر هو الاحتجاب كما مر، والاجتجاب إما عن الحق، فهو كما للمشركين، وإما عن الدين، كما لأهل الكتاب، والمحجوب عن الحق محجوب عن الدين الذي هو طريق الوصول اليه بالضرورة.
وأما المحجوب عن الدين، فقد لا يحجب عن الحق، فهؤلاء ادعوا رفع الحجابين، فكذبوا بسلب الإيمان عن ذواتهم لمخادعتهم لله وأوليائه، ومماكرتهم وزيادة المرض في قلوبهم مع الهلاك الأخروي، فهؤلاء أسوأ مآلا وأشد نكالا من عامة الكافرين.
Bilinmeyen sayfa